تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة ...

ثم يقول: فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان للرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلم الإجماع فيستدل به ... وقد استقرينا فوجدناها كلها منصوصة.

هكذا نجد ابن تيمية يرد الإجماع إلى الكتاب والسنة، وكذلك الأمر في القياس؛ إذ يذكر - كما عرفنا - أن القياس الصحيح هو ما وافق الكتاب والسنة، ويشير بعد ذلك إلى أن بعض الفقهاء قد لا يعرفون النص فيجتهدون بالرأي الذي هو القياس ونحوه، ولكن ما أداهم إليه اجتهادهم بالرأي موجود في كتاب الله أو سنة رسوله.

6

وفي غير الفقه وأصوله نجده يسير على نفس المنهج، ففي أصول الدين أو علم العقائد نراه في آرائه لا سند له إلا القرآن وأحاديث الرسول وسنته وما صح عنده من أقوال الصحابة والتابعين وآرائهم، وكذلك في رده على الفلاسفة وأمثالهم ممن يحكمون عقولهم في العقائد الدينية.

ونجد هذا ماثلا أمامنا في جميع ما كتبه من رسائل في هذه الناحية، وما أكثر هذه الرسائل التي تتناول العقائد التي جاء بها القرآن وبينتها أحاديث الرسول

صلى الله عليه وسلم .

ومن باب التمثيل لهذا، نذكر العقيدة الواسطية التي كتبها سنة 698 إجابة لطلب أحد قضاة واسط، ففي هذه الرسالة لا نجد الشيخ استدل لشيء من العقائد التي يجب على كل مسلم اعتقادها في الله وصفاته، وغير ذلك من العقائد الأخرى التي يتكلم عنها في علم التوحيد، إلا بالكتاب والسنة والصحيح من الآثار.

ولذلك نجده يقول في بعض فصولها: ثم من طريقة أهل السنة والجماعة، اتباع آثار رسول الله

صلى الله عليه وسلم

باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة.»

7

وفي رسالة أخرى كتبها إجابة عن استفتاء ورد إليه، بشأن ما يجب على المسلم الإيمان به من صفات الله تعالى، نراه يقول بعد أن ذكر بعض ما جاء في القرآن والسنة من الصفات: «إذا تبين هذا، تبين أن ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم له موافقة، وهم سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوه من مماثلة المخلوقات ...» إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى.

8

ونكتفي بما قدمناه عن هذا العنصر الأساسي الأول لمنهج ابن تيمية، وسنجده واضحا تماما في تفسيره لكتاب الله، وفي غيره من العلوم الإسلامية التي كتب فيها، وذلك عندما نبحث في القسم الثاني آراءه ومذهبه فيها، ونعرض الآن للعنصر الثاني من المنهج الذي لم يحد عنه قيد شعرة في كل ما كتبه.

اعتماده على العقل في مجاله

وما ينبغي لنا أن نظن أن ابن تيمية يهمل العقل وتفكيره حين يجعل الكتاب والسنة وآثار الصحابة ومن إليهم سنده الأول في بحوثه وآرائه، بل مستنده الوحيد بعبارة أدق، فإن فهم كتاب الله وسنة رسوله فهما عميقا حقا يحتاج بلا ريب إلى قلب واع وعقل مفكر نافذ، ولكنه كان يعرف للعقل قيمته ومجاله الذي يصول فيه ويجول، فلا يجاوز به هذا المجال ولا يرتفع به عن قدره.

ولكن معرفة هذا المجال هي المشكلة التي شغلت الفلاسفة والمفكرين في كل عصر، وبخاصة مفكري الإسلام ورجال الفلسفة فيه، فإن منهم من آمن بالعقل ونظره إيمانا راسخا، ووثقوا به ثقة مطلقة، فكان هذا سبب ضلال بعضهم إلى حد كبير، حين ظنوا أنهم بعقولهم وحدها قادرين على معرفة عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا!

إن القرآن دعا حقا إلى وجوب ملاحظة ما خلق الله من عوالم مختلفة، وإلى إعمال العقل فيها؛ وذلك ليصل الإنسان إلى الإيمان بإله واحد خلق ذلك كله؛ ولذلك نجد آيات كثيرة تختم بهذه الجمل وأمثالها التي لها دلالتها: لعلكم تعقلون، لعلكم تذكرون، لعلكم تهتدون، لقوم يتفكرون.

ابن تيمية · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٣٦