ومنها، خروج الفرنج - لعنهم الله - من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها، لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.»
1 (2) أولا: ظهور التتار
عن هذا الحدث، نجد المؤرخ نفسه يتحدث عن مقدار ما في خروج التتار إلى البلاد الإسلامية بصفة عامة، فيقول: «لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة؛ استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين! ... ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي.
إن هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين. فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتل بمثلها، لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ...
ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج. وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة ...
فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان ... ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر؛ مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا وتخريبا وقتلا ونهبا، ثم يتجاوزونها إلى الري وهمذان وبلد الجبل وما فيه من البلاد إلى حد العراق ... في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله ...
ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان، ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد؛ هذا ما لم يطرق الأسماع مثله.
فإن الإسكندر، الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا، لم يملكها في هذه السرعة، إنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحدا، إنما رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء (أي التتار) قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة، في نحو سنة، ولم يبت أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم ...»
ثم يتكلم المؤرخ الثقة عن ديانتهم وبعض عاداتهم وتقاليدهم، فيقول: «أما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا؛ فإنهم يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرهما، ولا يعرفون نكاحا، بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه.»
2
وليس فيما يقوله ابن الأثير وغيره من المؤرخين عن ابتلاء العالم، وبخاصة البلاد الإسلامية، بالتتار وما ارتكبوه من الفظائع وعظيمات الأمور، شيء ما من المبالغة، فإن زحفهم الجياش، ومدهم المتلاطم الأمواج، قد أوقع الرعب في العالم كله حتى للقارة الأوروبية، وبدل الناس جميعا من بعد أمنهم خوفا.
ونعتقد أن المؤرخ «جيبون» قد صدق حين يمثل لقارئه مدى ما أصاب العالم من ذعر ورعب بسبب موجات التتار أو المغول، وذلك بقوله: «إنها كانت أشبه بهزات الطبيعة العنيفة التي تغير وجه الأرض»، وحين يقول: «إن بعض سكان السويد، وقد سمعوا عن طريق روسيا نبأ ذلك الطوفان المغولي، لم يستطيعوا أن يخرجوا كعادتهم للصيد في سواحل إنجلترا؛ خوفا من المغول!»
3
سقوط بغداد وأثره
يذكر المؤرخون لسقوط بغداد وذهاب الخلافة العباسية من العراق، أو على الأقل لتعجيل هذا المصير الذي كان حتما مقضيا، عوامل مختلفة؛ منها ما وصلت إليه الدولة من الضعف والفرقة لعوامل لا ضرورة لذكرها هنا، ويكفي أن نشير إلى الصراع بسبب الجنس، والنزاع العنيف بسبب اختلاف العقيدة أو المذهب الديني، وانصراف بعض الخلفاء ورجالات الدولة إلى ضرب من الحياة أنساهم الواجب عليهم لأمة العروبة والإسلام.