تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من هذه القواعد، كما يذكر ابن كثير والمقريزي، أن من زنا قتل محصنا كان أو غير محصن، ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن تجسس قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن أطعم أسيرا أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، وكذلك من وجد هاربا ولم يرده، ومن أكل ولم يطعم من عنده، ومن ذبح حيوانا ذبحة المسلمين، إلى غير هذه القواعد التي لا تتفق وشريعة الإسلام العادلة.

11

ومن ثم نرى ابن كثير بعد ذكر ما نقلناه عنه يقول: وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى «الياسه» وقدمها عليه!

من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى:

أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، وقال:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما . •••

هذا ما كان متبعا بالنسبة للتتار ومن إليهم، أما بالنسبة للمسلمين فكان القضاة طبعا يفتون حسب شريعة الله ورسوله، فكانت جهة التقاضي واحدة، وكذلك الشريعة التي يحكم بها، فكان للبلد الواحد أو لجملة بلاد، من ديار مصر والشام، قاض واحد يحكم حسب مذهبه الفقهي.

وظل الأمر كذلك إلى سنة 663، ففي هذه السنة كان القضاء في مصر كلها (في عهد السلطان الظاهر بيبرس) للشيخ تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز وهو شافعي، فرأى السلطان بيبرس تولية قضاة من بقية المذاهب الأربعة، وأن يكون كل منهم مستقلا بالحكم فيما يرفع إليه من دعاوى حسب مذهبه، وأن يولي كل منهم من جهته نوابا في البلاد التي جعل إليه القضاء فيها. وكان السبب في هذا التغيير الكبير - كما يذكر ابن كثير - كثرة توقف القاضي ابن بنت الأعز في أمور تخالف مذهب الشافعي وتوافق غيره من المذاهب.

12

وبهذا ذهبت وحدة القضاء وجهاته؛ لأن من المعروف أن المذاهب الفقهية تختلف فيما بينها اختلافات كثيرة في الأصول والآراء والأحكام التي تنبني عليها، فربما كان في المسألة أو القضية الواحدة آراء كثيرة مختلفة على ما هو معروف.

أديان ومذاهب

وكما كان المجتمع في ذلك العصر كثير الأجناس والطبقات - على ما عرفنا - مثله مثل سائر المجتمعات في كل مكان في تلكم الأيام، كان كذلك كثير الأديان والعقائد، كثير النحل والمذاهب في الدين الواحد، وكان هذا كله من بواعث القلق والفتنة والاضطراب، ومن العوامل التي يسر للفرنج والتتر أن يعيشوا زمنا طويلا في البلاد.

نعم، كان هنالك المسلمون أهل البلاد والكثرة الغالبة بطبيعة الحال، وكان بجانبهم أهل الذمة اليهود والنصارى، وكان المسلمون فرقا مختلفة من ناحية العقائد الدينية كما نعرف في علم الكلام، وكان هناك الإسماعيلية وغيرهم من الشيعة الروافض الذين يكيدون للإسلام وأهله منذ قديم الزمان وإلى اليوم كيدا كثيرا.

وهنا نشير إلى ظاهرة بدت ملحوظة في ذلك العصر، ولكنها أخذت تختفي في هذه الأيام التي نعيش فيها، وهي أن العاطفة الدينية كانت أقوى في ذلك الزمان بكثير جدا من العاطفة الوطنية، بل كانت هذه لا شيء أمام تلك.

وذلك ما يفسر لنا إلى حد كبير ما ملأ ذلك العصر من عداء النصارى للمسلمين والإسلام، في العصر الذي عاش فيه ابن تيمية وما اكتنفه قبله وبعده، بل ما كان من فرحهم وترحيبهم بالفرنج والتتار حين غزوا الوطن المشترك! كما يفسر أيضا موقف الشيعة الرافضة في مصر والشام والعراق وميلهم إلى أعداء الدين والوطن، الغازين الظالمين.

ومهما يكن فنحن نسجل هنا هذه الظاهرة التي استشففناها من أحداث ذلك العصر، ثم نأخذ في الكلام بإجمال عما كان فيه من أحداث، سببها تعدد الديانات والنحل والمذاهب الدينية المختلفة؛ هذه الأحداث التي عاصر ابن تيمية الكثير منها، واستنفدت منه كثيرا من جهده، واستوجبت الكثير من جهاده وكفاحه الديني والسياسي المحمود. (أ)

ابن تيمية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ١٠