ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليا ظاهرا، مثل قوله: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: 23] ، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: ﴿خالق كل شيء﴾ [الأنعام: 102] يعلم المستمع: أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيا ظاهرا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر.
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي، لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيا أو عقليا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة، وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب ألا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره؛ لأن هناك دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره، كان هذا تدليسا وتلبيسا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان.
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره، أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟ ! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة! ؟
فسلم لي ذلك الرجل هذه المقامات.
قلت: ونحن نتكلم على صفة من الصفات، ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه، ونعبر بصفة اليد، وقد قال تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [المائدة: 64] ، وقال تعالى لإبليس: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: 75] ، وقال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: 67] ، وقال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك: 1] ، وقال: ﴿بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ [آل عمران: 62] ، وقال تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون﴾ [يس: 71] .