الخصمين على حجة الآخر إذا لم يكن في ذلك خلاف
واختلفوا إذا كان في المسألة خلاف فقال قوم لا يرد حكمه إذا لم يخرق الإجماع وقال قوم إذا كان شاذا وقال قوم يرد إذا كان حكما بقياس وهنالك سماع من كتاب أو سنة تخالف القياس وهو الأعدل إلا أن يكون القياس تشهد له الأصول والكتاب محتمل والسنة غير متواترة وهذا هو الوجه الذي ينبغي أن يحمل عليه من غلب القياس من الفقهاء في موضع من المواضع على الأثر مثل ما ينسب إلى أبي حنيفة باتفاق وإلى مالك باختلاف
واختلف هل يقضي بعلمه على أحد دون بينة أو إقرار أو لا يقضي إلا بالدليل والإقرار فقال مالك وأكثر أصحابه لا يقضي إلا بالبينات أو الإقرار وبه قال أحمد وشريح وقال الشافعي والكوفي وأبو ثور وجماعة للقاضي أن يقضي بعلمه ولكلا الطائفتين سلف من الصحابة والتابعي وكل واحد منهما اعتمد في قوله السماع والنظر
أما عمدة الطائفة التي منعت من ذلك فمنها حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على صدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فأعطاهم الأرش ثم قال عليه الصلاة والسلام إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم قالوا نعم فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فخطب الناس وذكر القصة وقال أرضيتم قالوا لا فهم بهم المهاجرون فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم صعد المنبر فخطب ثم قال أرضيتم قالوا نعم فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه صلى الله عليه وسلم
وأما من جهة المعنى فالتهمة اللاحقة في ذلك للقاضي
وقد أجمعوا أن للتهمة تأثيرا في الشرع منها أن لا يرث القاتل عمدا عند الجمهور من قتله
ومنها ردهم شهادة الأب لابنه وغير ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء
وأما عمدة من أجاز ذلك أما من طريق السماع فحديث عائشة في قصة هند بنت عتبة بن ربيعة مع زوجها أبي سفيان بن حرب حين قال لها عليه الصلاة والسلام وقد شكت أبا سفيان خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف دون أن يسمع قول خصمها
وأما من طريق المعنى فإنه إذا كان له أن يحكم بقول الشاهد الذي هو مظنون في حقه فأحرى أن يحكم بما هو عنده يقين
وخصص أبو حنيفة وأصحابه ما يحكم فيه الحاكم بعلمه فقالوا لا يقضي بعلمه في الحدود ويقضي في غير ذلك وخصص أيضا أبو حنيفة العلم الذي يقضي به فقال يقضي بعلمه الذي علمه في القضاء ولا يقضي بما علمه قبل القضاء
وروي عن عمر أنه قضى بعلمه على أبي سفيان لرجل من بني مخزوم
وقال بعض أصحاب مالك يقضي بعلمه في المجلس أعني بما يسمع وإن لم يشهد عنده بذلك وهو قول الجمهور كما قلنا وقول المغيرة هو أجرى على الأصول لأن الأصل في هذه الشريعة لا يقضي إلا بدليل وإن كانت غلبة الظن الواقعة به أقوى من الظن الواقع بصدق الشاهدين
| الفصل الرابع في الإقرار
وأما الإقرار إذا كان بينا فلا خلاف في وجوب الحكم به وإنما النظر فيمن يجوز إقراره