إنما الدين بالدين ما لم يشرع في قبض شيء منه أعني أنه كان يرى أن قبض الأوائل من الأثمان يقوم مقام قبض الأواخر وهو القياس عند كثير من المالكيين وهو قول الشافعي وأبي حنيفة
مسألة أجمع فقهاء الأمصار على بيع الثمر الذي يثمر بطنا واحدا يطيب بعضه وإن لم تطب جملته معا واختلفوا فيما يثمر بطونا مختلفة وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن البطون المختلفة لا تخلو أن تتصل أو لا تتصل فإن لم تتصل لم يكن بيع ما لم يخلق منها داخلا فيما خلق كشجر التين يوجد فيه الباكور والعصير ثم إن اتصلت فلا يخلو أن تتميز البطون أو لا تتميز فمثال المتميز جز القصيل الذي يجز مدة بعد مدة
ومثال غير المتميز المطابخ والمقاثىء والباذنجان والقرع ففي الذي يتميز عنه وينفصل روايتان إحداهما الجواز والأخرى المنع
وفي الذي يتصل ولا يتميز قول واحد وهو الجواز وخالفه الكوفيون وأحمد وإسحق والشافعي في هذا كله فقالوا لا يجوز بيع بطن منها بشرط بطن آخر وحجة مالك فيما لا يتميز أنه لا يمكن حبس أوله على آخره فجاز أن يباع ما لم يخلق منها مع ما خلق وبدا صلاحه أصله جواز بيع ما لم يطب من الثمر مع ما طاب لأن الغرر في الصفة شبهه بالغرر في عين الشيء
وكأنه رأى أن الرخصة ههنا يجب أن تقاس على الرخصة في بيع الثمار أعني ما طاب مع ما لم يطب لموضع الضرورة والأصل عنده أن من الغرر ما يجوز لموضع الضرورة ولذلك منع على إحدى الروايتين عنده بيع القصيل بطنا أكثر من واحد لأنه لا ضرورة هناك إذا كان متميزا
وأما وجه الجواز في القصيل فتشبيها له بما لا يتميز وهو ضعيف
وأما الجمهور فإن هذا كله عندهم من بيع ما لم يخلق ومن باب النهي عن بيع الثمار معاومة
واللفت والجزر والكرنب جائز عند مالك بيعه إذا بدا صلاحه وهو استحقاقه للأكل ولم يجزه الشافعي إلا مقلوعا لأنه من باب بيع المعيب ومن هذا الباب بيع الجوز واللوز والباقلا في قشره أجازه مالك ومنعه الشافعي
والسبب في اختلافهم هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين وأن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه الضرورة أو ما جمع الأمرين
ومن هذا الباب بيع السمك في الغدير أو البركة اختلفوا فيه أيضا فقال أبو حنيفة يجوز ومنعه مالك والشافعي فيما أحسب وهو الذي تقتضي أصوله
ومن ذلك بيع الآبق أجازه قوم بإطلاق ومنعه قوم بإطلاق ومنهم الشافعي وقال مالك إذا كان معلوم الصفة معلوم الموضع عند البائع والمشتري جاز وأظنه اشترط أن يكون معلوم الإباق ويتواضعان الثمن أعني أنه لا يقبضه البائع حتى يقبضه المشتري لأنه يتردد عند العقد بين بيع وسلف وهذا أصل من أصوله يمنع به النقد في بيع المواضعة وفي بيع الغائب غير المأمون وفيما كان من هذا الجنس
وممن قال بجواز بيع الآبق والبعير الشارد عثمان البتي
والحجة للشافعي حديث شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء العبد الآبق وعن