تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقصد كذلك نزع الثقة من الفلاسفة من ناحية التفكير، بعد أن طعنهم في عاطفتهم الدينية، حتى لا يخدع أحد بتعاليمهم، وقد ظهر هذا القصد منه ظهورا واضحا.

نراه يصرح بأن الرياضيات من العلوم الفلسفية، وإن كان لا سبيل لإنكارها، ولكن من ينظر فيها «يحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة؛ فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح كهذا العلم، ثم يكون قد سمع من كفرهم ما تتداوله الألسنة، فيكفر بالتقليد المحض.» ولهذا «يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ... فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين.» كما ينهى لمثل هذا السبب عن قراءة كتبهم في الأخلاق، حتى لا يغتر أحد بما مزجوه بها من الحكم النبوية والكلمات الصوفية.

2

بل إن هذا القصد ظهر منه أول ما شرع في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فنراه يذكر في المقدمة أنه ألفه للرد على الفلاسفة الأغبياء الذين تجملوا بالكفر تقليدا؛ لظنهم أن ذلك يدل على حسن الرأي، ويشعر بالذكاء؛ «فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.»

وأخيرا، كان من غرضه في حربه تلك أن يشير إلى أنه هناك بعد الوحي طريق آكد من العقل في معرفة الحقيقة وآمن، وأكثر رحابة منه، وذلك هو التصوف. وقد كان طبيعيا ومنطقيا من الغزالي، بعد أن بين قصور العقل الذي عليه وحده يعتمد الفلاسفة في الوصول إلى الحقيقة، أن يدلنا على طريق آخر للوصول إليها.

بهذا الطريق، أو بالتصوف، انكشفت له الحقائق، ولم يكن ذلك - كما يقول - بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ فقد ضيق رحمة الله الواسعة، ولذلك نجده يوقن أن الصوفية هم الذين أحسنوا اختيار الطريق إلى الله وإلى الحقيقة؛ «فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.»

هكذا هاجم الغزالي الفلسفة والفلاسفة من هذه الطرق، مريدا الحط من الفلسفة، وصرف الناس عنها وعن رجالاتها، ونعتقد أنه نجح فيما أراد إلى حد كبير.

إنه من الحق القول بأنه - بعد الغزالي - عدم العالم الإسلامي في الشرق فيلسوفا من طراز الفارابي وابن سينا، بل صارت الدراسات الفلسفية تكاد تنحصر في اقتباس ما يتفق والعقائد الدينية من مذهب المعلم الأول، أو الشيخ الرئيس، أو غيرهما، كما فترت العناية بمسائل الطبيعة وما بعد الطبيعة، وزادت بالعلوم العملية كالأخلاق والسياسة، كما يذكر المستشرق دي بور في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام»، وجاء ما يمكن أن يسمى بعصر الشروح والحواشي والتعليقات والمختصرات.

فإذا تركنا المشرق إلى المغرب، وجدنا ابن باجه وابن طفيل، وهما من معاصري ابن رشد، قد عملا - كل بقدر وسعه وعلى طريقته - على إحياء الفلسفة، كما ترك الثاني بصفة خاصة أثرا يدل بوضوح على رأيه في التوفيق بين الفلسفة والشريعة، وعلى ما بذل من جهد في هذا السبيل، ونعني بهذا الأثر القيم «قصة حي بن يقظان»؛ ففي هذه القصة الفلسفية نرى أنه حينما التقى حي بن يقظان الذي انتهى إلى الحقيقة بالنظر والتفكير بالبطل الآخر «آسال» الذي عرفها من الدين، وروى كل منهما للآخر قصته، عرفا أن الحقائق التي عرفت بالدين والفلسفة متطابقة تطابقا تاما؛ ولهذا نرى المراكشي والمقري يصفان ابن طفيل باجتهاده في التوفيق بين الحكمة والدين.

حالة كهذه، التي وجد فيها فيلسوفنا، كانت تتطلب بلا ريب من يعمل بقوة على الانتصاف للفلسفة وإحيائها، والتوفيق بينها وبين الشريعة، وقد كان ابن رشد هو المرجى لهذه الرسالة؛ فقد جمع بين الاستعداد لها، والحظوة لدى أمير يشجع على الفلسفة ويقرب رجالها.

وإذا كانت محاولة ابن رشد التوفيق بين الحكمة والشريعة هي أهم الوسائل التي رآها لتحقيق الرسالة التي ندب نفسه لها، وإذا كان هذا التوفيق في نفسه غاية جليلة صرف فيها كثيرا من جهوده، وإذا كانت هذه المحاولة منه ومن أسلافه فلاسفة الإسلام بصفة عامة هي معقد الطرافة في الفلسفة الإسلامية، كما يقول المستشرق الفرنسي «ليون جوتيين

ابن رشد الفيلسوف · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن رشد الفيلسوفص ٨