وكان منهاج أبي حامد في هذا الكتاب، الذي أراد به الهدم، العمل على نزع الثقة بالفلاسفة؛ فجعلهم أغبياء وزائغين عن سبيل الله ، وناكبين عن طريق الهدى، وظانين بالله ظن السوء، ومغرورين بعقولهم، زاعمين أن فيها غنية لهم عن تقليد الرسل واتباعهم!
كما كان من منهاجه أيضا التشويش عليهم ومغالطتهم، ومحاولة إفحامهم بإلزامهم جميعا مذهب واحد منهم، وإن كان ظاهرا خطؤه، ولا يتفق وما ذهب إليه أساطين الفلسفة الإغريقية.
وأخيرا، كان من منهاجه في الرد على الفلاسفة بيان قصور العقل وعدم قدرته على معرفة الأمور الإلهية بنظره وحده، وأن معرفة هذه الأمور على حقائقها لا ينالها إلا المصطفون الأخيار من أنبياء الله ورسله.
وهكذا قصد الغزالي لما أراد كل سبيل، ولجأ إلى كل سلاح يجد فيه عونا على طلبته، فماذا كان من ابن رشد لهذا الخصم اللدود القوي؟ الخصم الذي لم يلجأ إلى المنطق وحده، ولم يرد بيان الحق في نفسه؛ ولهذا - فيما يقول - لم يسم كتابه «تمهيد الحق»، بل سماه «تهافت الفلاسفة»!
2
أراد فيلسوف قرطبة أن يدفع عن الفلسفة أو الحكمة ما رآه عدوانا من الغزالي وأمثاله، وأن ينافح عنها وينتصف لها، وقد فعل، لكنه لم يكن في خصومته مجادلا بالحق والباطل، بل لم ينس في هذه الخصومة العنيفة أنه قاض؛ فهو يزن ما يدلى به إليه، ويدفع الحجة بالحجة، ولا يأبى أن يعترف بالحق لصاحبه.
ويبدأ ببيان أن غرضه من الرد على «تهافت الفلاسفة» للغزالي ليس بيان الحق في كل المسائل المناقش فيها، بل أن يبين أن للسفسطة في هذا الكتاب نصيبا كبيرا، وأن أكثر ما فيه من أقاويل قاصر عن مرتبة اليقين والبرهان.
وليس مما يعيب ابن رشد ألا يقصد في كتابه «تهافت التهافت» إلى بيان الحق فيما استحر فيه الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين؛ فإنه أمين على ما وضع من قواعد للتوفيق بين الحكمة والشريعة، ومن ذلك تقسيم الناس إلى طبقات، ومخاطبة كل طبقة بما هي أهل له، وإذن فليس من الخير في رأيه أن يجعل في كتابه - وهو عرضة للذيوع بين الخاصة والعامة - ما يكون ضررا لطائفة من الناس لا تطيق النظر الصحيح.
وهو وإن كان حريصا على الاعتراف لخصمه العنيد بما يصيب فيه، وعلى التزام القصد والترفع عن المهاترة في الخصومة؛ فإنه وهو الذي شاهد في القضاء ألوانا من الخصومات والأسلحة التي استخدمت فيها، لم ير بدا من أن يرد أحيانا على حجة الإسلام بعض ما رمى به الفلاسفة من سباب.
لقد رماه بالقصور في فهم الحكمة؛ لأنه قنع فيها بكتب ابن سينا، فلحقه القصور من هذه الجهة، كما يقول ابن رشد في «تهافت التهافت»، وعاب عليه ما قصد إليه من التشويش على الفلاسفة ودعاويهم، وكان لومه له رفيقا. إنه يكتفي بالقول بأن هذا الغرض لا يليق به، والقصد إليه هفوة من هفوات العالم؛ لأن العالم يجب أن يكون قصده طلب الحق لا إيقاع الشكوك وتحيير العقول.
وما أقومه درسا يلقيه فيلسوفنا على الغزالي وأمثاله! إذ يقول في موضع آخر من تهافته:
وأما قوله: إن قصده ها هنا ليس هو معرفة الحق، وإنما قصده إبطال أقاويلهم، وإظهار دعاويهم الباطلة، فقصد لا يليق به، بل بالذين في غاية الشر، وكيف لا يكون ذلك كذلك ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة، وفاق الناس فيما وضع من الكتب التي وضعت [لعله: وضعها] فيها، إنما استفادها من كتب الفلاسفة ومن تعليمهم.
وهبهم أخطئوا في شيء؛ فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا، ولو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجبا عليه وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة شكرهم عليها ... أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها، حتى فاق أهل زمانه، وعظم في ملة الإسلام صيته وذكره، أن يقول فيهم هذا القول، وأن يصرح بذمهم على الإطلاق وذم علومهم؟!