وإذا كان النظر الفلسفي واجبا، فمن الخير أن نستعين بالرواد الذين كشفوا الطريق، وأناروا لمن أتى بعدهم من الباحثين والمتفلسفين السبيل. وإذن فلنقرأ - كما يقول - كتب من تقدمنا من أولئك الرواد والفلاسفة القدامى، فما وجدنا من حق «قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهناهم عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم.» وحق لنا أن نعذرهم؛ فالطريق وعر شائك مظلم، والخطوات الأولى هي التي تكلف ما تكلف من عناء ونصب، فيعذر فيها من تعثر.
ومنع المستعد للتفلسف، بفطرته المواتية وخلقه الكامل، جريمة - في رأيه - في الدين؛ لأنه صد عن الباب الذي نصل منه إلى معرفة الله حق معرفته، وذلك جهل أي جهل، كما يذكر في «فصل المقال».
وليس يمنع من النظر في تراث الإغريق أن ضل بالنظر فيه قوم لم يكونوا أهلا لمعرفته، كما ليس لنا أن نمنع العطشان من ورود الماء العذب البارد؛ لأن غيره شرب منه فمات؛ فإن هذا الضرر أمر عرض، ومثل هذا يكون في الفقه؛ فقد يعرض أن تكون دراسة الفقه سببا لضرر يعرض من قبلها؛ كم من فقيه - كما يذكر - كان تبحره في الفقه ومعرفة المخارج من المحرمات والشبهات «سببا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا، بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم، وصناعتهم إنما تقتضي بالذات الفضيلة العملية.»
ومتى كان هذا القياس العقلي والنظر الفلسفي مما يحث عليه الشرع ويوجبه، كان لا بد من أخذ العدة لعلاج ما يظهر من تعارض واختلاف بين النص ونظر العقل. هذه العدة تقوم على أنه من المقطوع به - كما يؤكد فيلسوفنا - أن كل ما أدى إليه البرهان الصحيح لا يمكن أن يخالف ما أتى به الشرع؛ فإن الحق لا يضاد الحق، بل يشهد له.
وإذن؛ فإن وجد هذا التعارض والاختلاف، كان لا بد من تأويل النص تأويلا يتفق وما نعرف من قواعد اللغة، وذلك مثلا بإخراجه عن دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية. بهذا لا يصطدم العقل والشرع، ولا تترك واحدا منهما لأجل الآخر، بل نجعل لكل منهما اعتباره، ونوفق بينهما بما لا تأباه اللغة وأصولها، فتزول عقبة يظنها البعض كأداء - وهي تعارض نص الوحي ونظر العقل - كانت تقف في سبيل هذا الجمع والتوفيق.
انقسام الشرع إلى ظاهر وباطن
ولم هذه الظاهرة؛ وهي وجود آيات وأحاديث لا بد من صرفها عن ظاهرها وتأويلها لنتعرف المعاني الخفية المرادة منها؟ سبب هذه الظاهرة، أو بعبارة أخرى سبب انقسام الشرع إلى ظاهر وباطن لكل منهما أهله،
2
هو أن الناس مختلفون في الفطر والعقول.
إنهم لهذا تختلف حالاتهم في فهم النصوص وإدراك ما يراد بها، كما تختلف وسائلهم في التصديق بما يجب التصديق به من أمور هذا العالم الحاضر والعالم الآخر، ومن وجود الله وما يتصل به من سائر ما جاء به الدين من معتقدات.
ومن أجل ذلك، يقسم فيلسوف قرطبة الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون، وهم الكثرة الغالبة السهلة الاقتناع التي تصدق بالأدلة الخطابية؛ وأهل الجدل - ومنهم المتكلمون - الذين ارتفعوا حقا عن العامة، ولكنهم لم يصلوا لمرتبة أهل البرهان الحقيقي؛ والبرهانيون بطبائعهم المواتية وبالحكمة التي راضوا عقولهم عليها، وأخذوا أنفسهم بها.
ولما كان الله خلق الناس على هذا التفاوت الملحوظ في الفطر والعقول، وكان من الحكمة أن يكون هذا التفاوت لدواع نقر بها جميعا، وكان من الواجب أن يجد كل في الدين المشرب الذي يناسبه، لما كان الأمر كذلك، كان لا بد أن تختلف التعاليم الدينية التي يؤخذ بها كل فريق؛ فللجمهور وأمثاله من الجدليين الإيمان بظواهر النصوص الدينية وما ضرب الله ورسوله لهم من رموز وأمثال، ما داموا لا يقدرون على الوصول إلى التآويل الصحيحة، وللعلماء أهل البرهان الإيمان بما خفي من المعاني التي ضربت لها تلك الرموز والأمثال لتقربها للعقول، وذلك بتأويل هذه النصوص.