النعم التي يحمل عليها في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شيئا أبدا وهذا إجماع منهم ولأن ما كان لمصالح المسلمين قامت الأئمة فيه مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أطعم الله لنبي طعمة إلا جعلها طعمة لمن بعده وأما الخبر فمخصوص وأما حماه لنفسه فيفارق حمى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه لأن صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين وماله كان يرده في المسلمين ففارق الأئمة في ذلك وساووه فيما كان صلاح المسلمين وليس لهم أن يحموا إلا قدرا لا يضيق به على المسلمين ويضربهم لأنه إنما جاز لما فيه من المصلحة لما يحمى وليس من المصلحة إدخال الضرر على أكثر الناس
فصل وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحد نقضه ولا تغييره مع بقاء الحاجة إليه ومن أحيا منه شيئا لم يملكه وإن زالت الحاجة ففيه وجهان
وما حماه غيره من الأئمة فغيره هو أو غيره من الأئمة جاز وإن أحياه إنسان ملكه في أحد الوجهين لأن حمى الأئمة اجتهاد وملك الأرض بالإحياء نص والنص يقدم على الاجتهاد ( والوجه الآخر ) لا يملكه لأن اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه كما لا يجوز نقض حكمه ومذهب الشافعي في هذا على نحو ما قلنا والله أعلم
فصل في أحكام المياه قد ذكرنا في البيع حكم ملكها وبيعها ونذكر ها هنا حكم السقي بها فنقول لا يخلو الماء من حالين إما أن يكون جاريا أو واقفا فإن كان جاريا فهو ضربان أحدهما أن يكون في نهر غير مملوك وهو قسمان أحدهما أن يكون نهرا عظيما كالنيل والفرات ودجلة وما أشبهها من الأنهار العظيمة التي لا يستضر أحد بسقيه منها فهذا لا تزاحم فيه ولكل أحد أن يسقي منها ما شاء متى شاء وكيف شاء
القسم الثاني أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائة أو سيل يتشاح فيه أهل الأرض الشاربة منه فإنه يبدأ بمن في أول النهر فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ إلى الكعب ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك وعلى هذا إلى أن تنتهي الأراضي كلها فإن لم يفضل عن الأول شيء أو عن الثاني أو عمن يليهم فلا شيء للباقين لأنه ليس لهم إلا ما فضل فهم كالعصبة في الميراث وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا والأصل في هذا ما روى عبد الله بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ثم قال يازبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر قال الزبير فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم النساء 65 متفق عليه ورواه مالك في موطئه عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن الزبير وذكر عنه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال نظرنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر فكان ذلك إلى الكعبين قال أبو عبيد الشراج جمع شرج