تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز ما لم يكن مشروطا في العقد

ولنا إنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة والحيل محرمة على ما سنذكره

فصل والحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين

وهو أن يظهر عقدا مباحا يريد به محرما مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك

قال أيوب السختياني إنهم ليخادعون الله كأنما يخادعون صبيا

لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي فمن ذلك ما لو كان مع رجل عشرة صحاح ومع الآخر خمسة عشرة مكسرة فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه ثم تباريا توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة ثم وهبه الخمسة الزائدة أو اشترى منه بها أوقية صابون أو نحوها ما يأخذه بأقل من قيمته أو اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح مثلها من المكسرة ثم اشترى منه بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير

وهكذا لو أقرضه شيئا أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها أو اشترى من سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى أخذ عوض عن القرض

فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم

وبهذا قال مالك

وقال أبو حنيفة والشافعي ذلك كله وأشباهه جائز

إذا لم يكن مشروطا في العقد

وقال بعض أصحاب الشافعي يكره أن يدخلا في البيع على ذلك

لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه

ولنا إن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من مثل أفعالهم

وقال بعض المفسرين في قوله تعالى وموعظة للمتقين آل عمران 138 أي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فروي أنهم كانوا ينصبون شباكهم للحيتان يوم الجمعة ويتركونها إلى يوم الأحد

ومنهم من كان يحفر حفائر ويجعل إليها مجاري فيفتحها يوم الجمعة

فإذا جاء السمك يوم السبت جرى مع الماء في المجاري فيقع في الحفائر فيدعها إلى يوم الأحد ثم يأخذها

ويقول ما اصطدت يوم السبت ولا اعتديت فيه

فهذه حيلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار

ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس بقمار رواه أبو داود وغيره فجعله قمارا مع إدخاله الفرس الثالث لكونه لا يمنع معنى القمار

وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه آخذا أو مأخوذا منه وإنما دخل صورة تحيلا على إباحة المحرم وسائر الحيل مثل ذلك ولأن الله تعالى إنما حرم المحرمات لمفسدتها والضرر الحاصل منها

ولا تزول مفسدتها مع إبقاء معناها بإظهارها صورة غير صورتها

فوجب أن لا يزول التحريم كما لو سمى الخمر بغير اسمها لم يبح ذلك شربها

وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لستحلن قوم من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها

ومن الحيل في غير الربا أنهم يتوصلون إلى بيع الشيء المنهي عنه أن يستأجر بياض أرض البستان بأمثال أجرته ثم يساقيه على ثمر شجره بجزء من ألف جزء للمالك وتسعمائة وتسعة وتسعون للعامل ولا يأخذ منه المالك شيئا ولا يريد ذلك

وإنما قصد بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بما سماه أجرة والعامل

المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني · الجزء ٤ · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيبانيج ٤ · ص ٥٦