ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة فوجب الرجوع إلى تفسيره فروى الدارقطني بإسناده عن جابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وعائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما السبيل قال الزاد والراحلة وروى ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما يوجب الحج قال الزاد والراحلة رواه الترمذي وقال حديث حسن وروى الإمام أحمد حدثنا هشيم عن يونس عن الحسن
قال لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران 97 قال رجل يا رسول الله ما السبيل قال الزاد والراحلة ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد وما ذكروه ليس باستطاعة فإنه شاق وإن كان عادة والاعتبار بعموم الأحوال دون خصوصها
كما أن رخص السفر تعم من يشق عليه ومن لا يشق عليه
فصل ولا يلزمه الحج ببذل غيره له ولا يصير مستطيعا بذلك
سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا
وسواء بذل له الركوب والزاد أو بذل له مالا وعن الشافعي أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه
لأنه أمكنه الحج من غير منة تلزمه ولا ضرر يلحقه فلزمه الحج كما لو ملك الزاد والراحلة
ولنا إن قول النبي صلى الله عليه وسلم يوجب الحج الزاد والراحلة يتعين فيه تقدير ملك ذلك أو ملك ما يحصل به بدليل ما لو كان الباذل أجنبيا ولأنه ليس بمالك للزاد والراحلة ولا ثمنهما فلم يلزمه الحج كما لو بذل له والده ولا نسلم أنه لا يلزمه منه ولو سلمنا فيبطل بذل الولد وببذل من للمبذول له عليه أيادي كثيرة ونعم
فصل ومن تكلف الحج ممن لا يلزمه
فإن أمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره
مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة كالخرز أو معاونة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر الحج 27 فقدم ذكر الرجال ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله عز وجل وخروجا من الخلاف وإن كان يسأل الناس كره له الحج
لأنه يضيق على الناس ويحصل كلا عليهم في التزام ما لا يلزمه
وسئل أحمد عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة فقال لا أحب له ذلك هذا يتوكل على أزواد الناس
فصل ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه
لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها فلزمه كالسعي إلى الجمعة وإن كان ممن لا يمكنه المشي اعتبر وجود الحمولة في حقه لأنه عاجز عن المشي
فهو كالبعيد وأما الزاد فلا بد منه
فإن لم يجد زادا ولا قدر على كسبه لم يلزمه الحج