والثاني أنه لو أراد أن ما بلغ القلتين في القلة ينجس لكان ما فوقهما لا ينجس لتحقق الفرق بينهما
فإنه جعل القلتين فصلا بين ما يتنجس وبين ما لم يتنجس
فلو سوينا بينهما لم يبق فصل
الثالث أن مقتضاه في اللغة أنه يدفع الخبث عن نفسه منن قولهم فلان لا يحتمل الضيم أي يدفعه عن نفسه والله أعلم
فصل اختلف أصحابنا هل القلتان خمسمائة رطل تحديدا أو تقريبا قال أبو الحسن الآمدي الصحيح أنها تحديد وهو ظاهر قول القاضي وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن اعتبار ذلك كان احتياطا وما اعتبر احتياطا كان واجبا كغسل جزء من الرأس مع الوجه وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم ولأنه قدر يدفع النجاسة عن نفسه فاعتبر تحققه كالعدد في الغسلات والصحيح أن ذلك تقريب
لأن الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوهما بحد إنما قال ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا وقال يحيى بن عقيل أظنها تسع قربتين وهذا لا تحديد فيه فإن قولهما يدل على أنهما قربا الأمر والشيء الزائد عن القربتين مشكوك فيه مع أنه يقع على المجهول والظاهر قلته لأن لفظه يدل على تقارب ما بين الأمرين المذكورين وكلما قل الشيء كان أقرب إلى القربتين وكلام أحمد يدل على هذا فإنه روي عنه أن القلة قربتان وروي قربتان ونصف وروي وثلث وهذا يدل على أنه لم يجد في ذلك حدا
ثم ليس للقربة حد معلوم
فإن القرب تختلف اختلافا كثيرا فلا يكاد قربتان يتفقان في حد واحد لهذا لو اشترى منه شيئا مقدرا بالقرب أو أسلم في شيء محدود بالقرب
لم يجز ذلك ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أن الناس لا يكيلون الماء ولا يزنونه فلم يكن ليعرفهم الحد بما لا يعرف به وإنما أراد أن من وجد ماء فيه نجاسة فظنه مقاربا للقلتين توضأ منه وإن ظنه ناقصا عنهما من غير مقاربة لهما تركه
وفائدة هذا أن من اعتبر التحديد فنقص عن الحد شيئا يسيرا لم يعف عنه ونجس بورود النجاسة عليه ومن قال بالتقريب عفى عن النقص اليسير عنده وتعلق الحكم بما يقارب القلتين إن شك في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة أو لا يدفعها ففيه وجهان
أحدهما يحكم بطهارته لأنه كان طاهرا قبل وقوع النجاسة فيه وشك هل ينجس به أو لا فلا يزول اليقين بالشك
والثاني يحكم بنجاسته لأن الأصل قلة الماء فنبني عليه ويلزم من ذلك النجاسة
فصل فأما غير الماء من المائعات ففيه ثلاث روايات
إحداهن أنه ينجس بالنجاسة وإن كثر لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن قال إن كان مائعا فلا تقربوه رواه الإمام أحمد في مسنده إسناده صحيح على شرط الصحيحين ولم يفرق بين كثيره وقليله ولأنها لا قوة لها على دفع النجاسة فإنها لا تطهر غيرها فلا تدفعها عن نفسها كاليسير
والثانية أنها كالماء لا ينجس منها ما بلغ القلتين إلا بالتغير
قال حرب سألت أحمد قلت كلب ولغ في سمن أو زيت قال إذا كان في آنية كبيرة مثل حب أو نحوه رجوت أن لا يكون