وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم ثم اختص منهم نفرا أعلى قدرهم ومناصبهم وأبقى ذكرهم ومذاهبهم فعلى أقوالهم مدار الأحكام وبمذاهبهم يفتي فقهاء الإسلام وكان إمامنا ( أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه ) من أوفاهم فضيلة وأقربهم إلى الله وسيلة وأتبعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمهم وأزهدهم في الدنيا وأطوعهم لربه فلذلك وقع اختيارنا على مذهبه
وقد أحببت أن أشرح مذهبه واختياره ليعلم ذلك من اقتفى آثاره وأبين في كثير من المسائل ما اختلف فيه مما أجمع عليه وأذكر لكل إمام ما ذهب إليه تبركا بهم وتعريفا لمذاهبهم وأشير إلى دليل بعض أقوالهم على سبيل الاختصار والاقتصار من ذلك على المختار وأعزو ما أمكنني عزوه من الأخبار إلى كتب الأئمة من علماء الآثار لتحصل الثقة بمدلولها والتمييز بين صحيحها ومعلولها فيعتمد على معروفها ويعرض عن مجهولها
ثم بنيت ذلك على شرح مختصر ( أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن عبد الله الخرقي ) رحمه الله لكونه كتابا مباركا نافعا ومختصرا موجزا جامعا ومؤلفه إمام كبير صالح ذو دين أخو ورع جمع العلم والعمل فنتبرك بكتابه ونجعل الشرح مرتبا على مسائله وأبوابه ونبدأ في كل مسألة بشرحها وتبيينها وما دلت عليه بمنطوقها ومفهومها ومضمونها ثم نتبع ذلك ما يشابهها مما ليس بمذكور في الكتاب فتحصل المسائل كتراجم الأبواب
وبالله أستعين فيما أقصده وأتوكل عليه فيما أعتمده وإياه أسأل أن يوفقنا ويجعل سعينا مقربا إليه ومزلفا لديه برحمته فنقول وبالله التوفيق ( قال أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي رحمة الله عليه ) قال القاضي الإمام أبو يعلى رحمه الله كان الخرقي علامة بارعا في مذهب أبي عبد الله وكان ذا دين وأخا ورع وقال القاضي أبو الحسين كانت له المصنفات الكثيرة في المذهب ولم ينشر منها إلا المختصر في الفقه لأنه خرج من مدينة السلام لما ظهر سب الصحابة بها وأودع كتبه في دار سليمان فاحترقت الدار والكتب فيها قرأ العلم على من قرأه على أبي بكر المروذي وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني أحمد وروى عن أبيه أبي علي الحسين عبد الله وكان أبو علي فقيها صحب أصحاب أحمد وأكثر صحبته لأبي بكر المروذي
وقرأ على أبي القاسم الخرقي جماعة من شيوخ المذهب منهم أبو عبدالله بن بطة وأبو الحسن التميمي وأبو الحسين بن سمعون وقال أبو عبد الله بن بطة توفي أبو القاسم الخرقي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودفن بدمشق وزرت قبره وسمعت من يذكر أن سبب موته أنه أنكر منكرا بدمشق فضرب وكان موته بذلك
وقال رحمه الله ( اختصرت هذا الكتاب ) يعني قربته وقللت ألفاظه وأوجزته والاختصار تقليل الشيء فقد يكون اختصار الكتاب بتقليل مسائله وقد يكون بتقليل ألفاظه مع تأدية المعنى ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا ومن ذلك مختصرات الطرق وفي الحديث الجهاد مختصر طريق الجنة وقد نهى عن اختصار السجود ومعناه جمع آي السجدات فيقرؤها في وقت واحد
وقيل هو أن يحذف الآية التي فيها السجدة فلا يقرؤها
وفائدة الاختصار التقريب والتسهيل على من أراد تعلمه