( فصل ) : في العقوبة بالسجن وذكر حقيقته ، ومن يحبس ومن لا يحبس .
وفي قدر ما يحبس فيه وفي معاملة القاضي المحبوس ، وفي مسائل الملازمة فأما حقيقته فالسجن مشتق من الحصر ، قال الله تعالى - : ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ﴾ أي سجنا وحبسا ، والسجن وإن كان أسلم العقوبات فقد تأول بعضهم قوله تعالى - : ﴿ إلا أن يسجن أو عذاب أليم ﴾ أن السجن من العقوبات البليغة ؛ لأنه - سبحانه وتعالى - قرنه مع العذاب الأليم ، وقد عد يوسف عليه السلام الانطلاق من السجن إحسانا في قوله : ﴿ وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ﴾ ولا شك أن السجن الطويل عذاب .
وقد حكى الله عن فرعون ؛ إذ أوعد موسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ ونسأل الله السلامة ، ولما استخلف مروان بن الحكم ابنه على بعض المواضع أوصاه أن لا يعاقب في حين الغضب ، وحضه أن يسجن حتى يسكن غضبه ثم يرى رأيه .
وكان يقول : أول من اتخذ السجن كان حليما ، ولم يرد مروان طول السجن ، وإنما أراد السجن الخفيف حتى يسكن غضبه .
وقال ابن قيم الجوزية الحنبلي : اعلم أن الحبس الشرعي ليس هو الحبس في مكان ضيق ، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه حيث شاء ، سواء كان في بيت أو مسجد ، أو كان بتوكيل نفس الغريم أو وكيله عليه أو ملازمته له ، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسيرا .
ففي سنن أبي داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال : { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي : الزمه ، ثم قال لي