ثلاثة مذاهب معروفة، والتوقف أقوى في الورع، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
1090- ومثارات الشبهة التي هي مقتضية للورع على مراتب كثيرة، ولا بد لكل منها من دليل يدل عليه، ثم ذلك الدليل قد يعارضه دليل آخر، وقد يسلم من المعارض، وتقوى الشبهة، بحسب قوة ذلك وضعفه، فإذا كان أصل الشيء حلالا وهو مستصحب، ثم وقع الشك في تحريمه، فإن دل عليه دليل فهو مظنه الاجتناب والورع، وإن لم يقم عليه دليل أصلا فلا يلتفت إلى مجرد التجويز، بل يكون هذا الشك لا أصل له والورع عنه وسوسة.
1091- مثاله: أن يصيد ظبيا أو سمكة فيتورع عنه؛ لاحتمال أن يكون قد وقع في صيد أحد ثم انفلت (منه)، فهذا وهم مجرد ليس من الشبهة في شيء، فإن قامت قرينة تدل عليه، مثل: أن يجد في أنف الظبي أو في أذن السمكة حلقة، فهذا يدل قطعا على أنه وقع في ملك أحد، ثم إنه ليس يدري كيف خرج من يده؛ فالورع ههنا متوجه.
1092- وقد تكون القرينة أضعف من ذلك، ويستحب الورع أيضا، كما إذا كان في الظبي أثر يحتمل أن يكون كيا لا يتأتى إلا ممن ملكه، وصار في يده، وأن يكون جرحا أصابه من غير أن يقع في ملك أحد، والأصل هنا عدم وقوعه في الملك، ولكن الورع [ها] هنا ورع المتقين الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس)).