تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقرات في تذكرة القاض صلاح الدين خليل بن أبيك الصفدى : أول ما يدا الطاعون الكائن في سنة تسع وأربعين من الشام بغزة تم تعدى إلى ابيروت ، ثم إلى الشام كلها . وكان يقتل بالرائحة، وبقدر الحبة تظهر فى المغابن ، كالإبط ونحوة ، وببشرة خلف الأذن، وبقدر الخيارة في الورك . وبعضهم يبصق ذما فيخر مينا وكتب فى رسالة : وإنما عاقته العوائق ، وشغله ما شغل جميع الخلائق . وهو أمر هذا الوبا ، وما بلغكم عنه من النبا فإنه قد عم البلاد، وغم النفوس وأذاب الاكباد. وقدم مصر فى أول هذه السنة ، ففقد أهلها القرار والسنة . وتقدم بعساكر المنايا ، وهم بكبائر الرزايا ، وألقى الرعب في قلوب البرايا ، وأبقى في صدورهم البلايا . وشهر لكل أحد نصابه، :ونزل بباب كل بيت منه عصابة فالناس بين كل ميت ومائت ، ومتوقع القوات وفاتت . وأصبح كل جبار وهو منه خائف ، ويظن أن الموت على بابه واقف .

إن دخل بيتا كان أخر أهله خروجا ، وإن عدل إلى فناء ألبج نار الفناء فيه تأجيج]: فقصم عند ذلك الآمال ، وكثرت لديه الأعمال.

وعظم التضرع إلى الله والصياح ، وعمل الناس بقوله، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.

غير أن له خلائق محمودة وغرائب ليست فى سواه موجودة . لا يفرق بين الشخص وأقاربه ، ولا يؤرق جفن المفجوع على ذاهبه . بل إن أخدم واحدا أنسه بجميع أهله ، وجمع شملهم فى الردى بإهدام ذلك النسب من أصله . لا تطول معه الأمراض ، ولا تكثر على الجسد الأعراض .

وقد طالت مدته على الأمة وقويت عليهم الشدة والغمة واشترك في مصابه الخلائق والبلدان ، وعمت الأشجان والأحزان. وهذا أمر لم يسمع بمثله فى الوجود ، ولم يقع نظيره في الحدود . وأى طأعون دخل الأرضين من كل جانب [ ووصل إلى المشارق والمغارب؟ بل طاعون عمواس ، كالقطرة منه فى القياس . وطاعون الأشراف ، خاص ببعض الأصناف . وطاعون الفتيات ، لغير الأبكار لم يوات . فاللة اللة في التضرع بارتفاع هذه النازلة ، وانقطاع هذه النقمة برحمة متواصلة وفرات في كتاب القاضى تاج الدين السبكى ، سنة ( 764) - لما غم الطاعون على النفوس وعم ، وهم بالردى فأودع القلوب الهم ، طاف البلاد فما ترك طارفة ولا تليدة ، وطاف في الربع العامر فأذن بالخراب ، وما تلك الصفة بحميدة ، وغزا الإقليم المصرى منه ما شيب النواصى ، وثغلهم بأنفسهم عن القيام بالطاعات بل وبالمعاضى ودخل منه الشام رعب يروع ولا يراعى فبطلت عنده الشهوات وذهبت لديه الدواعى . . إلى غير ذلك من تخريب الممالك وتضيق المسالك ، وتوسيع أبواب المهالك .

فيا له من جمام شمرت حروبه عن ساقها وما توقفت ولا تروت ، وصاحب صوارم شربت من ذم البرايا حتى تروت . لقد صرح فى هذه المعركة غضبه وما أضمر ولا ورى] ، ولقد روى فيها سهمه كبد قوسه الجرى . وما ذاك إلا لمقدور إلهى لا يدفع وأمر سماوى لا تفيد فيه زالمعالجة ولا تنفعى لقد قطع نياط القلوب، وشاهدنا منه العجب والأرواح تذوب . إن طلغت خبة لابن أدمى هبطت به إلى الرمس ، وإنا بصق دما قال : يا حسرتا على ما فرطت بالأمس ولقد رخصت الأنفس فيه حتى بيعت بحبة ، وقال من ساومها سيقضى صاحبها نحبه فمات من لا عمره مات ، وصرت لا تسمع إلا كان وفات . إذا أخذ واحدا تداركه بجمع شمله وأخذ على إثره جميع أهله . وإذا نزل يامرىء أفصله من يومه ، ولا يطيل بتعلله المرض على قومة . والله المستعان في جميع الأحوال ، وعليه فيما نخافه ونحذره الاتكال .

وفرات بخط شيخنا ناصر الدين ابن الفرات فى وتاريخه ، أنه صلى الجمعة سنة تسع وأربعين وسبع مائة، فى سطح الجامع الحاتمى ، فشاهد الجنائز مصفوفة ثلاثة صفوف ، من أول الأروقة إلى باب الخزائن ، لكن الصف الثالث ينقص قليلا: قأل : وكثر الموت حتى خلت الطرقات . قال : ولقد مشيت ليلة بين القصرين ، بين المغرب والعشاء ، من الحريريين إلى سوق الدجاج بقرب الجامع الأقمر فما رأيت من السروج في الحوانيت إلا اليسير : قال : وعدمت البضائع لقلة الجالب ، وييعث الرمانة الواحدة بنصف دينار، وبلغ طحن الإردب القمح تقديرا فلورى . قال : وشرح ذلك يطول ، وهذا عنوانه .

بذل الماعون في فضل الطاعون · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بذل الماعون في فضل الطاعونص ٧٩