تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في قلوب عدوهم والمعجزة لايقاس عليها الأمور العادية ولا يعترض بها

| المسألة الخامسة عشرة

إن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها

وسببه أن عصائبها القائمين بها لا بد من توزيعهم على ما تصير إليهم من الممالك والثغور لحمايتها وإمضاء حكم الدولة فيها وذلك يوجب نفاد عددهم وبلوغ الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغر الدولة ونطاقا لمركزها فإن تكلفت بعد ذلك زيادة عليه بقي دون حامية وعاد وبال ذلك على الدولة وما لم يبعد عدد العصابة بقي فبالدولة قوة على تناول ما وراء العادية وحتى يتسع نطاقها إلى نهايته

شهادة وجود قال وجود قال كما وقع للعرب صدر الإسلام لما توفرت عصائبهم غلبوا على الشام والعراق ومصر لأسرع وقت ثم تجاوزوا غلى السند والحبشة وإفريقية والمغرب ثم إلى الأندلس فلما تفرقوا على الممالك والثغور ونقد عددهم قصروا عن الفتوحات وانتهى أمر الإسلام ولم يتجاوز تلك الحدود

فائدة حكمية قال والعلة الطبيعية في ذلك أن قوة العصبية من سائر القوى الطبيعية وكل قوة يصدر منها فعلها فنشأنها ذلك والدولة في مركزها اشد مما يكون في الطرف والنطاق وإذا انتهت إلى غايته عجزت عما وراءه

| مزيد اعتبار

قال ثم إذا أدركها الهرم نقصت من أطرافها وبقي المركز محفوظا إلى أن يأذن الله بانقراض المر جملة فحينئذ يكون انقراضه

قال وإذا غلب عليه فلا ينفع بقاء الأطراف لأنه كالقلب الذي ينبعث منه الروح فالدولة الفارسية كان مركزها المدائن فلما غلب المسلمون عليه انقرض أمر فارس أجمع ولم ينفع يزدجر ما بقي بيده من ممالك أطرافه

وبالعكس من ذلك الدولة الرومية كان مركزها القسطنطينية فلما غلب المسلمون على الشام تحيزوا إلى مركزهم ولم يضرهم انتزاع الشام من أيديهم وبقي ملكهم به إلى أن يأذن الله بانقراضه

قلت وقد أذن تعالى في ذلك على يد ملك بني عثمان من الترك في أواسط هذه المائة التاسعة فلله الحمد عليه كثيرا

المسألة السادية عشرة أن عظم الدولة في اتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة

بيان الأول أن الملك لما كان بالعصبية وأهلها هم الحامية النازلون بممالك الدولة وأقطارها كان ما هو من الدول العامة أكثر في أهل العصبية أعداد ا وأوسع في الممالك أوطانا وأقطارا واعتبار ما يشهد لذلك في الواقع بحسب الدول الإسلامية ظاهر من وجوه

أحدهما أن العرب لما ألف الله بين قلوبهم على كلمة الإسلام وبلغ من أسلم منهم في غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف وعشرة الآف من مضر وقحطان ما بين فارس وراجل إلى أن من أسلم منهم بعد ذلك وتوجهوا لطلب ما بأيدي المم من الملك لم يكن دونه

بدائع السلك 1-2(م) · الجزء ١ · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بدائع السلك 1-2(م)ج ١ · ص ١٣٠