وإنما وجد الراحة في الدنيا من خلالها لا من خاللها، لاح لهم عيبها، فما ضيعوا الزمان في السوم، بلغتهم خطوات الرياضة إلى الرياض فاستوطنوا فردوس الأنس في قلة طور الطلب.
يا مؤثرا على بساتين القوم مقابر النوم: ليس في طريق الوصال تعب، إنما التعب ما دام في النفس بقية من الهوى، الظلمة ليل لا لليلى.
يا ليل ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي
ولا انثني قصدي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي
المنحرف ضال عن الجادة، طر بجناح الخوف والرجاء من وكر الكسل على خط مستقيم الجد لا تعدل فيه عن العدل، فإذا أنت في مقعد صدق.
؟الفصل الثالث والأربعون صفات العابدين وقت العارف جد كله، لعلمه بشرف الزمان، والنهار مطالب بحق الملك، والليل يقتضي دين الحب، فلا وجه للراحة.
لما عاينت أبصار البصائر " يوسف " العواقب، قطعت أيدي الهوى بسكين الشوق، فولوج الجمل في سم الخياط، أسهل من دخول اللوم في تلك الأسماع، فإذا حان حين الحين فرح سائر الليل بقطع المنزل، وصاحت ألسنة الجد بالعاذلين (فذلكن الذي لمتنني فيه).
قلوب أبت أن تعرف الصبر عنهمأثمان المعالي غالية فكيف يستامها مفلس
وكيف ينال المجد والجسم وادع ... وكيف يحاز الحمد والوفر وافر
كلما تعاظمت الهمم تصاغرت الجثث.
ولست ترى الأجسام وهي ضيئلة ... نواحل إلا والنفوس كبار
قال " يحيى بن معاذ " : لتكن الخلوة بيتك، والمناجاة حديثك، فإما أن تموت بدائك، أو تصل إلى دوائك.
لا تزل بي عن العقيق ففيه ... وطري إن قضيته أو نحبي
لا رعيت السوام إن قلت للصحبة خفي عني وللعين هبي
دخلوا على " أبي بكر النهشلي " وهو في السوق يركع ويسجد، ودخلوا على " الجنيد " وهو في النزع وهو يصلي، فسلموا عليه، فرد السلام وقال: هذا وقت يؤخذ منه: الله أكبر.
إذا اشتغل اللاهون عنك بشغلهم ... جعلت اشتغالي فيك يا منتهى شغلي
فمن لي بأن ألقاك في كل ساعة ... ومن لي بان ألقاك والكل بي من لي
دارت قلوبهم من الخوف دوران الكرة تحت الصولجان، فلعبت بها أكف الأشجان في فلوات المحبة، فمن بين سكران يبث، وبين منبسط يقول، وبين خائف يستجير.
إذا لعب الرجال بكل فن ... رأيت الحب يلعب بالرجال
نجائب أبدانهم أنضاها سير الرياضة، تجوهرت أرواحهم في بوتقة الجسم، فترافقا في سفر الشوق، فاللسان مشغول بالذكر، والسر مغلوب بالوجد، والعين عبرى بالخوف، والنفس هاربة إلى دار الزهد.
إنما أهرب مما ... حل بي منك إليك
أنت لو تطلب روحي قلت هاخذها إليك
كان الحسن كأنه حديث عهد بمصيبة، وكان " مالك بن دينار " قد سود طريق الدمع في خده.
ومن لبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم؟
كان " عطاء السلمي " يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق، فقطرت دموعه يوما فصاح رجل: يا أهل الدار: ماؤكم طاهر؟ فقال " عطاء " : اغسله فإنه دمع من عصى الله تعالى.
كان " داود " عليه السلام يؤتى بالإناء ناقصا فلا يشربه حتى يتمه بدموعه.
يا ساقي القوم إن دارت إلي فلا ... تمزج فإني بدمعي مازج كاسي
الفصل الرابع والأربعون
الغراب والعنكبوت
يا مستفتحا أبواب المعاش بغير مفتاح التقوى، كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق؟ لو اتقيت ما عسر عليك مطلوب، مفتاح التقوى يقع على كل باب، ما دام المتقي على صفاء التقى لا يلقى إذن أذى، فإذا انحرف عن التقى التقى بالكدر.
فلما توليتم عنا تولينا لا تزال بحار النعم على الخلق في الزيادة (حتى يغيروا ما بأنفسهم).
ويحك: إنما خلقت الدنيا لك، أفيبخل عليك بما هو ملكك؟ إنما في طبعك شره، والحمية أرفق.