أنفوا من مزاحمة الخلق في أسواق الهوى، وقوي شوقهم فلم يحتملوا حصر الدنيا، فخرجوا إلى فضاء العز في صحراء التقوى، وضربوا مخيم المجد في ساحة الهدى، وتخيروا شواطىء أنهار الصدق، فشرعوا فيها مشارع البكاء، وانفردوا بقلقهم فساعدهم ريم الفلا، وترنمت بلابل بلبالهم في ظلام الدجى، فلو رأيت حزينهم يتقلب على جمر الغضا.
فيا محصورا عنهم في حبس الجهل والمنى، إن خرجت من سجنك لترويح شجنك من غم البلاء، عرج بذلك الوادي. تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود، فجمعوا الرحل قبل الرحيل، وشمروا في سواء السبيل، فالناس يخوضون في وحل الإكتساب، وهم في ظل القناعة، ومرض الهوى يستغيثون في مارستان البلاء، وهم في قصور السلامة، وكسالى البطالة على فراش التواني وهم في حلبات السباق (يرجون تجارة لن تبور) يجرون خيل العزائم في ميادين المبادرة، ويضربون الدنيا بصولجان الأنفة، فما مضت إلا ايام حتى عبروا القنطرة، وقد سلموا من المكس. غناهم في قلوبهم (سيماهم في وجوههم) ما ضرهم ما عزهم، أعقبهم ما سرهم، هان عليهم طول الطريق لعلمهم بشرف المقصد، وحلت لهم مرارات البلاء لتعجيل السلامة، فيابشراهم يوم (هذا يومكم).
شقينا في الهوى زمنا فلما ... تلاقينا كأنا ما شقينا
سخطنا عندما جنت الليالي ... فما زالت بنا حتى رضينا
سعدنا بالوصال وكم سقينا ... بكاسات النعيم وكم شقينا
فمن لم يحي بعد الموت يوما ... فإنا بعد ميتتنا حيينا
الفصل الثاني والعشرون
دموع المذنبين
سبحان من يرسل رياح المواعظ فتثير من قلوب المتيقظين غيم الغم على ما سلف، فتسوقه إلى بلد الطبع المجدب برعد الوعيد، وبريق الخشية، فترقأ دموع الأحزان من قعر بحر القلب إلى أوج الرأس، فتسيل ميازيب الشؤون على نطوع الوجنات، فإذا أعشب السر تهتز فرحا بالإجابة.
سلي عنه تخبر باليقين دموعه ... ولا تسألي عن قلبه أين يمما
وفجعة " عمرو " مثل هرعة " مالك " ... ويقبح بي أن لا أموت متيما
إذا أرعدت سحائب التخويف انزعج لها قلب المذنب فانفتحت صحائف أصداف سره كانفتاح أصداف البحر لتلقي قطر نيسانن فقطرت فيها قطرات عزائم عقدها لؤلوا، ربيع العرفان التوبة الصادقة، كيمياء السعادة إذا وضعت منها حبة صافية على جبال من أكدار الذنوب دكتها كهيبة التجلي قبل المباشرة، فصارت كحلا مصلحا لأحداق البصائر.
رب ذنب أدخل صاحبه الجنة، إذا صدق التائب قلبت الأمارة مطمئنة، لما أخذ الخليل عليه السلام في طريق الصبر فتبعه الذبيح واستسلما، ألقي على السكين السكون، إذا جالس التائب رفيق الفكر، أعاد عليه حديث الزلل، وندمه على ركوب الخطل، فرأيت العين التي كانت فجرت قد انفجرت، وسمعت لسان الأسى يعيد لفظة: لا أعود وعانيت عامل اليقظة قد بث عمال الجد في رستاق القلب للعمارة، فيا أيها المذنب: إذا أشكل عليك أمر فليفصح لك دمعك.
إذا أعجمت أطلال هند على البلا ... فدمعك في بث الغرام فصيح
يا مطلقا في وصالنا راجع، يا حالفا على هجرنا كفر، إنما أبعدنا إبليس لأنه لم يسجد لك.
فواعجبا!! كيف صالحته وهجرتنا!!؟ ويحك لك من عندنا من القدر ما لا تعرفه لليلة القدر.
رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى ... حفظنا له الود القديم وضيعا
وصالحت قوما كنت أنهاك عنهم ... وحقك ما أبقيت للصلح موضعا
الفصل الثالث والعشرون
في ترك الشهوات
حبال الدنيا خيال تعز العز، انقطعت منذ الصلة اتصلت بعزة " فرعون " الهوى. إذا ألقى موسى الزهد عصا الشهوات إذا هي تتلقف.
الدنيا سوق فيها ضجيج الشهوات، فإذا اشتغلت بها فمن يسمع المواعظ، نادى بالصالحين أمير " نمل " التوفيق، عند ممر " سليمان " البلاء، كفوا أكف الطباع عن تناول لقم الهوى (لا يحطمنكم سليمان وجنوده).