قوله ولهذا أي ولأن الخلف يثبت عند احتمال وجود الأصل وإن بعد قال أبو يوسف ومحمد إلى آخره إذا شهدت الشهود على رجل بقتل عمد وقتله الولي بشهادتهم ثم رجع الشهود والولي جميعا أو جاء المشهود بقتله حيا فلولي المقتول الخيار بين أن يضمن الشهود الدية وبين أن يضمنها القاتل لأن القاتل متلف للمقتول حقيقة والشهود متلفون له حكما والإتلاف الحكمي في حكم الضمان مثل الإتلاف الحقيقي فكان له أن يضمن أيهما شاء فإن اختار ولي المقتول تضمين القاتل لم يرجع على الشهود بشيء باتفاق أصحابنا لأنه ضمن بفعل باشره لنفسه باختياره وإن اختار تضمين الشهود لم يرجعوا على القاتل في قول أبي حنيفة رحمه الله
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله إنهم يرجعون على الولي أي لهم ولاية الرجوع على القاتل إن شاءوا لأنهم ضمنوا بشهادتهم وقد كانوا عاملين فيها للولي فيرجعون عليه بما يلحقهم من الضمان كما لو شهدوا بالقتل خطأ أو بالمال فقضى القاضي به واستوفاه المشهود له ثم رجعوا جميعا وضمن المشهود عليه الشهود كان لهم أن يرجعوا على المشهود له وتعليل الشيخ بقوله لأن سبب الملك إلى آخره إشارة إلى الجواب عما يقال إن الشهود إنما يرجعون إذا كان المشهود به قابلا للملك فيملكونه بالضمان فيرجعون بعدما صار ملكا لهم إلى المشهود له وهاهنا المشهود به القصاص وهو لا يملك بالضمان فلا يكون لهم ولاية الرجوع فقال لأن سبب الملك أي ملك المشهود به للشهود قد وجد وهو التعدي بالشهادة كذبا
والضمان أي وجوب الضمان أو أداء الضمان على ما عرف من أصلنا والمضمون وهو الدم محتمل للملك أي للمملوكية في الشرع غير مستحيل أي غير مستحيل تملكه فإن الشرع لو ورد بتملك الدم لا يستحيله العقل
ألا ترى أن نفس من عليه القصاص في حكم القصاص كالمملوك لمن له القصاص حتى كان له ولاية إهلاكه باستيفاء القصاص منه وولاية إبقائه بالعفو كالعبد كان للمولى ولاية إبقائه في ملكه وولاية إخراجه عن ملكه بالبيع والإعتاق وإذا كان كذلك كان السبب وهو الضمان الذي لزمهم بتعديهم منعقد الملك المضمون بناء على هذا الاحتمال ولكن تعذر العمل به لعدم ورود الشرع به حقيقة فعمل أي السبب في بدل المضمون وهو الدية عند تعذر العمل بالأصل كما قيل في غاصب المدبر