تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله ويجاوره إلى ما يحله إشارة إلى المعنى المجوز للمجاز أي جواز إرادة ما يحله باعتبار المجاورة ألا ترى أنه استعير ذلك بعينه الضمير في أنه لشأن أي أن الشأن استعارة ذلك اللفظ الذي صار عاما بدليل وهو الصاع مثلا فيما نحن فيه ليعمل في ذلك أي فيما استعير له وهو ما يحله ويجاوره عمله أي كعمله في محله وهو موضوعه الأصلي ولما كان عمله في محله إثبات العموم كان كذلك فيما استعير له أيضا لوجود دلالته وهي لام التعريف

قوله إلا أنهما يتفاوتان جواب عما ذكرنا أن الحقيقة تترجح عند التعارض أي هما مستويان في العموم والخصوص ولكنهما يفترقان في اللزوم والبقاء فإن الحقيقة لازمة باقية حتى لم يصح نفيها عن موضوعها والمجاز ليس بلازم باق حتى صح نفيه كالثوب الملبوس لا يسترد إذا كان مملوكا ويسترد إذا كان عارية ولهذا تترجح الحقيقة عند التعارض لأنها ألزم وأدوم والمطلوب بكل كلمة عند الإطلاق ما هي موضوعة له في الأصل فيترجح ذلك حتى يقوم دليل المجاز بمنزلة الملبوس يترجح جهة الملك للابس فيه حتى يقوم دليل العارية كذا قال شمس الأئمة رحمه الله وهذا الترجح لا يدل على كون المجاز ضروريا كترجيح المحكم على الظاهر لا يدل على كونه ضروريا وعلى انتفاء العموم عنه

قوله والمجاز طريق مطلق أي طريق جاز سلوكه من غير ضرورة فإنا نجد الفصيح من أهل اللغة القادر على التعبير عن مقصوده بالحقيقة يعدل إلى التعبير عنه بالمجاز لا لحاجة ولا لضرورة وقد ظهر استحسان الناس للمجازات فوق ما ظهر من استحسانهم للحقائق فتبين بهذا أن قولهم هو ضروري فاسد والدليل عليه أن القرآن في أعلى رتب الفصاحة وأرفع درج البلاغة والمجاز موجود فيه عد من غريب بدائعه وعجيب بلاغته قوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وإن لم يكن للذل جناح وقوله فاصدع بما تؤمر أي أظهره غاية الإظهار فكان التعبير عنه بالصدع أبلغ وهو في الأصل لصدع الزجاج وقوله عز اسمه وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وقوله جل ذكره تجري من تحتها الأنهار والجري للماء لا للأنهار وقوله علت كلمته فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى والله تعالى علي أي منزه عن العجز والضرورات فثبت أنه ليس بضروري

كشف الأسرار · الجزء ٢ · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كشف الأسرارج ٢ · ص ٦٣