كمال الاستقامة ما لا يؤدي اعتباره إلى الحرج وتضييع حدود الشريعة أي أحكامها فاشترط الامتناع عن الكبائر والاحتراز عن الإصرار على الصغائر حتى لو ارتكب كبيرة تبطل عدالته وإن أصر على صغيرة فكذلك وإن ارتكب صغيرة ولم يصر عليها لا تبطل وكان ينبغي أن تبطل لأنه حصل الخروج عن الحد المحدود له شرعا إلا أن التحرز عن جميع الصغائر متعذر عادة فإن غير المعصوم لا يتحقق منه التحرز عن الزلات جميعا فاشتراط التحرز عن جميعها لإثبات العدالة حينئذ إلا نادرا فسقط فأما الاجتناب عن الكبائر وعن الإصرار على الصغائر فغير متعذر فلم يجعل عفوا واضطربت كلمة الأمة في الكبائر فروى ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الكبائر تسع الإشراك بالله
وقتل النفس المؤمنة وقذف المحصنة واليمين الغموس والفرار عن الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم أي الظلم في البيت الحرام من ألحد الرجل إذا ظلم في الحرم
وروى أبو هريرة رضي الله عنه مع ذلك أكل الربا وروي عن علي رضي الله عنه أنه أضاف إلى ذلك السرقة وشرب الخمر وقيل ما خصه الشارع بالذكر فهو كبيرة وذكر الغزالي رحمه الله في المستصفى لا خلاف أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضا اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة أو تطفيف في حبة قصدا وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجرئ على الكذب بالأغراض الدنيوية يرد به كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والسوق لغير السوقي والبول في الشارع وصحبة الأرذال وأفراد المزح والحرف الدنية من دباغة وحجامة وحياكة ممن لا يليق به من غير ضرورة لأن مرتكبها لا يجتنب الكذب غالبا فلا يكون قوله موثوقا به
قال والضابط في ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده