وجبت باعتبار صيرورتها كذبة مع أنها لم تكن في الأصل كذلك فلأن تجب في الغموس وهي كاذبة من الأصل كان أولى لأن حظر الغموس من جنس حظر المعقودة إذا حنث فيها لأنه حظر من حيث الاستشهاد بالله كاذبا إلا أنه في الغموس آكد
يوضحه أن اليمين نوعان يمين بالله تعالى ويمين بالطلاق ونحوه ثم اليمين بالطلاق بشرط ماض على الكذب توجب ما توجبه اليمين بالطلاق بشرط في المستقبل ووجد الشرط فكذا اليمين بالله تعالى توجب ما توجبه في المستقبل إذا تحقق الكذب فيها
وما ذكرنا من المعنى ثابت لغة لأن كل أحد من أهل اللسان يعرف أن الكفارة باعتبار معنى الجناية فإنها شرعت لدفع الإثم وهو يحصل بالجناية
وعندنا لا تجب الكفارة في العمد سواء وجب القود به أو لم يجب كقتل الأب ولده عمدا وقتل المولى عبده عمدا وقتل المسلم مسلما لم يهاجر إلينا في دار الحرب عمدا وكذا في الغموس لأن العمد كبيرة محضة وكذا الغموس محظور فلا يصلح سببا للكفارة كالزنا والسرقة وشرب الخمر
وتحقيقه أن حقوق الله تعالى على ثلاثة أقسام عبادات محضة وأنها لا تتعلق بأسباب محظورة لأن العبادات حكمها الثواب ونيل الدرجات ويستحيل أن يصير الجنابة سببا لذلك وأنها تتعلق بأسباب مباحة كالنصاب للزكاة والوقت للصوم والصلاة
وعقوبات محضة وأنهما تتعلق بمحظورات محضة لأن العقوبة شرعت زاجرة محضة وإنما يجب الزجر عن المعاصي لا عن المباح
وكفارات وهي تتردد بين عبادة وعقوبة
أما معنى العقوبة فيها فلأنها لا تجب الإجزاء كالحدود والعبادات تجب ابتداء تعظيما لله تعالى أما معنى العبادة فيها فلأنها تتأدى بالصوم وما يقوم مقامه وما شرع الصوم خاليا عن معنى العبادة ولأنها تكفر الذنب وتمحوه ولن يقع التكفير إلا بما هو طاعة وقربة ولهذا كانت النية فيها شرطا وفوض أداؤها إلى من وجبت عليه ليؤديها باختياره والعقوبات تقام كرها وجبرا وإذا ثبت أنها مترددة بين العبادة والعقوبة وجب أن يكون سببها مشتملا على صفتي الحظر والإباحة ليكون