عمره ، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي ؛ والملكان يحفظان عليه ذلك ? أَحْصَاهُ
اللَّهُ وَنَسُوهُ ... ? [المجادلة : 6] [31] .
ويُحكى أن حسان بن أبي سنان مرّ بغرفة فقال : متى بنيت هذه ؟
ثم أقبل على نفسه ، فقال : تسألين عمّا لا يَعْنيكِ ؟ ! لأعاقبنّك بصيام سنة ،
فصامها) [32] [33] .
وقال عبد الله بن قيس : كنّا في غزاةٍ لنا فحضر العدو ، فَصِيحَ في الناس
فقاموا إلى المصافّ في يومٍ شديد الريح ، وإذا رجلٌ أمامي وهو يخاطب نفسَه
ويقول : أيْ نفسي ! ألم أشهد مشهد كذا فقلتِ لي : أهلَكَ وعيالك ؟ ! ! فأطعتُك
ورجعت ! ألم أشهد مشهد كذا فقلتِ لي : أهلَكَ وعيالك ؟ ! ! فأطعتُكِ ورجعت !
واللهِ لأعرضنّكِ اليوم على الله أخَذَكِ أو تَركَكِ . فقلت : لأرمقنّكَ اليوم ، فرمقته
فحمل الناسُ على عدوّهم فكان في أوائلهم ، ثم إنّ العدو حمل على الناس فانكشفوا
(أي هربوا) فكان في موضعه ، حتى انكشفوا مرات وهو ثابت يقاتِل ؛ فواللهِ ما زال
ذلك به حتى رأيتُه صريعاً ، فعددتُ به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة) [34] .
وأخيراً :
نختم بفائدة مهمّة فيما يعين على المحاسبة ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في
(مدارج السالكين) ؛ فقد ذكر أن ممّا يعين على المحاسبة : أن يكون المرء صادقاً في
محاسبته لنفسه . وتعتمد المحاسبة الصادقة على ثلاثة أسس : الاستنارة بنور الحكمة ؛ وسوء الظنّ بالنفس ، وتمييز النعمة من الفتنة .
فأمّا نور الحكمة ؛ فهو العلم الذي يميّز به العبد بين الحقّ والباطل ، وكلّما كان
حظّه من هذا النور أقوى كان حظّه من المحاسبة أكمل وأتمّ .
وأما سوء الظن بالنفس ؛ فحتّى لا يمنع ذلك من البحث والتنقيب عن المساوئ
والعيوب .
وأما تمييز النّعمة من الفتنة ؛ فلأنه كم مُسْتَدْرَج بالنّعم وهو لا يشعر ، مفتونٍ
بثناء الجهّال عليه ، مغرورٍ بقضاء الله حوائجه وستره عليه ! [35] .