للعاقل ألا يحكم بما يبدو إليه من استرحام الباكي المتظلّم وتشكّيه ، وشدة تلوّيه
وتقلّبه وبكائه) حتى قوله : (وهذا مكان ينبغي التثبت منه ، ومغالبة ميل النفس جملة ، ولا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها ، ولكن يقصد الإنصاف لما
يوجبها الحق على السواء) .
يضيع من العمر قدر ما يضيع من الفرص :
ورديفُ التجارب في التكرار تتابعُ الفرص التي لا يمكن تعويضها ، ولربما
تفاوت حجم الفرصة وعظيم قدرها من زمن لآخر ومن مكان لآخر ؛ غير أن
الفرص جميعاً تشترك في كونها نادرة الوقوع ، وثمينة الأثر إذا أحسن صاحبها
الإفادة منها ، وكثيراً ما أرشد ابن حزم رحمه الله إلى وجوب استغلال هذه الفرص
والحذر من تضييعها ، ويشير مراراً إلى كثرة الفرص التي تضيع على أولئك
العظماء والقادة والدعاة ، وهو يؤكد لك باليقين أن (لكل شيء فائدة) ينبغي عدم
الذهول عنها ، ويضرب مثلاً عجيباً يتعلق بنظرة المبدع والقائد لكل ما يحيط به ،
وكيف يمكنه تحويل الخسائر الظاهرة إلى فرص سانحة لا تُعوّض ، يقول رحمه الله : (لكل شيء فائدة ؛ ولقد انتفعتُ بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة ، وهي أنه توقّدَ
طبْعي ، واحتدمَ خاطري ، وحمي فكري ، وتهيّج نشاطي ، فكان ذلك سبباً إلى
تواليف عظيمة المنفعة ، ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت تلك
التواليف) .
نفسك غالية ... لا تبذلها إلا لله :
ومن فرائد هذه اللمحات عناية ابن حزم رحمه الله كغيره من علماء السلف
رحمهم الله جميعاً بتكوين الشخصية الإسلامية الفريدة عبر إذكاء روح العزة والثقة
بالله ، وعدم الرضا بإذلال النفس أو بذلها في الحقير من الأعمال والفنون والمقاصد، وبعث الهمة إلى معالي الأمور وعظيمها ؛ تزهيداً بالسفاسف والترهات التي تقتل
المواهب وتئد الطاقات والهمم ، ولذا فأنت تجد أن إذكاء شعور العزة في النفس ،
والثقة بعد الله بالطاقات والمواهب والملكات ، وحسن التدبير وغيرها من الصفات