فعن مالك بن الحويرث قال : أتينا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن شببة
متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة ، وكان رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- رحيماً رفيقاً ، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألَنا عمن تركْنا
بعدنا فأخبرناه ، قال : ( ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر
أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة
فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) [1] .
لكن حين يتطلب الأمر الحزم فإن الحال يختلف ؛ وقد كان -صلى الله عليه
وسلم- كذلك ، ففي موقف آخر يأتيه شاب من أصحابه شاكياً له ما أصابه من
المشركين ، وقد بلغ به الأذى والشدة كل مبلغ وهو خباب بن الأرت فها هو يروي
الموقف فيقول : أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو محمر وجهه ، فقال : (لقد
كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ، ما يصرفه
ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ، ما يصرفه ذلك
عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما
يخاف إلا الله) [2] .
وها هو في موقف آخر أيضاً مع أحد الشباب ، فعن أسامة بن زيد بن حارثة
رضي الله عنهما قال : بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الحرقة من
جهينة ، قال : فصبحنا القوم فهزمناهم ، قال : ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً
منهم ، قال : فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله ، قال : فكف عنه الأنصاري ، فطعنته
برمحي حتى قتلته ، قال : فلما قدمنا بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- قال :
فقال لي : (يا أسامة ! أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ ) قال : قلت : يا رسول الله ! إنما كان متعوّذاً ، قال : (أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ ) قال : فما زال يكررها
عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم [3] .
لقد كان -صلى الله عليه وسلم- يضع لكل موقف ما يناسبه ؛ ففي الموقف