تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل كانوا يتناظرون ويعترض بعضهم بعضا على مأخذ بعض، ويحصرون ضوابط الشرع. وأيضاً فلو رجع الحكم إلى مجرد الاستحسان ; لم يكن للمناظرة فائدة، لأن الناس تختلف أهواؤهم وأغراضهم في الأطعمة والأشربة واللباس وغير ذلك، ولا يحتاجون إلى مناظرة بعضهم بعضاً، لم كان هذا الماء أشهى عندك من الآخر، والشريعة ليست كذلك.

على أن أرباب البدع العملية أكثرهم لا يحبون أن يناظروا أحداً، ولا يفاتحون عالماً ولا غيره فيما يبتغون خوفاً من الفضيحة ألا يجدوا مستنداً شرعياً، وإنما شأنهم إذا وجدوا عالماً أو لقوه أن يصانعوا، وإن وجدوا جاهلاً عامياً ألقوا عليه في الشريعة الطاهرة إشكالات حتى يزلزلوهم، ويخلطوا عليهم ويلبسوا دينهم، فإذا عرفوا منهم الحيرة والالتباس ; ألقوا إليهم من بدعهم على التدريج شيئاً فشيئاً، وذموا أهل العلم بأنهم أهل الدنيا المنكبّون عليها، وأن هذه الطائفة هم أهل الله وخاصته. وربما أوردوا عليهم من كلام غلاة الصوفية شواهد على ما يلقون عليهم) - إلى أن قال (وأما الدليل الأول فلا متعلق به، فإن أحسن الاتباع اتباع الأدلة الشرعية، وخصوصاً القرآن، فإن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (1) الآية، وجاء في صحيح الحديث الذي أخرجه مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: " أما بعد فإن أحسن الحديث كتاب الله "، فيفتقر أصحاب الدليل أن يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس مما أنزل إلينا، فضلاً عن أن يكون من أحسنه.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (2) الآية، يحتاج إلى بيان أن ميل النفوس يسمى قولاً، وحينئذ ينظر إلى كونه أحسن القول، كما تقدم، وهذا كله فاسد، ثم إنا نعارض هذا الاستحسان ; بأن عقولنا تميل إلى إبطاله وأنه ليس بحجة، وإنما الحجة الأدلة الشرعية المتلقاة من الشرع، وأيضاً فيلزم عليه استحسان العوام، ومن ليس من أهل النظر، إذا فرض أن الحكم يتبع مجرد ميل النفوس وهوى الطبع، وذلك محال للعلم بأن ذلك مضاد للشريعة فضلاً عن أن يكون من أدلتها.

وأما الدليل الثاني فلا حجة فيه من أوجه:

أحدهما: أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن، والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيئ يدل على حسنه شرعاً، لأن الإجماع دليلاً شرعياً، فالحديث دليل الحكم عليكم لا لكم.

(1) - سورة الزمر، الآية: 23.

(2) - سورة الزمر، الآية: 18.

حوار مع المالكي في رد ضلالاته ومنكراته · الصفحة ٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حوار مع المالكي في رد ضلالاته ومنكراتهص ٨٠