تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يكن يومك كله قراءة أو تفكراً أو تأليفاً أو حفظاً بل خذ من كل عمل بطرف ونوع فيه الأعمال فهذا أنشط للنفس .

الصلوات ترتب الأوقات فجعل كل صلاة عملا من الأعمال النافعة .

إن الخير للعبد فيما اختار له ربه ، فإنه أعلم به وأرحم به من أمه التي ولدته ، فما للعبد إلا أن يرضى بحكم ربه ويفوض الأمر إليه ويكتفي بكفاية ربه وخالقه ومولاه.

ولعبد لضعفه ولعجزه لا يدري ما وراء حجب الغيب، فهو لا يرى إلا ظواهر الأمور أما الخوافي فعلمها عند ربي، فكم من محنة وكم من بلية أصبحت عطية، فالخير كامن في المكروه .

أبونا آدم أكل من الشجرة وعصى ربه فأهبطه إلى الجنة ، فظاهر المسألة أن آدم ترك الأحسن والأصوب ووقع عليه المكروه ، ولكن عاقبة أمره خير عظيم وفضل جسيم ، فإن الله تاب عليه وهداه واجتباه وجعله نبياً وأخرج من صلبه رسلاً وأنبياء وعلماء وشهداء وأولياء ومجاهدين وعابدين ومنفقين ، فسبحان الله كم بين قوله(اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ )(البقرة: من الآية35)، وبين قوله( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)(طه:122) فإن حالة الأول سكن وأكل وشرب وهذا حال عامة الناس الذين لا هم لهم ولا طموحات ، وأما حاله بعد الاجتباء والاصطفاء والنبوة والهداية فحال عظيمة ومنزلة كريمة وشرف باذخ.

وهذا داود عليه السلام ارتكب الخطيئة فندم وبكى, فكانت في حقه نعمة من أجل النعم, فإنه عرف ربه معرفة العبد الطائع الذليل الخاشع المنكسر, وهذا مقصود العبودية فإن من أركان العبودية تمام الذل لله عز وجل. وفد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قوله صلى الله عليه وسلم : "عجباً للمؤمن لا يقضي الله له شيئاً إلا كان خيراً له"(1) هل يشمل هذا قضاء المعصية على العبد, قال نعم, بشرطها من الندم والتوبة والاستغفار والانكسار. فظاهر الأمر في تقديم المعصية مكروه على العبد وباطنه محبوب إذا اقترن بشرطه.

* وخيرة لله وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم ظاهرة باهرة, فإن كل مكروه وقع له صار محبوباً مرغوباً, فإن تكذيب قومه له ومحاربتهم إياه كان سبباً في إقامة سوق الجهاد ومناصرة الله والتضحية في سبيله, فكانت تلك الغزوات التي نصر الله فيها رسوله, وفتح عليه, واتخذ فيها من المؤمنين شهداء جعلهم من ورثة جنة النعيم, ولولا تلك المجابهة من الكفار لم يحصل هذا الخير الكبير والفوز العظيم, ولما طرد صلى الله عليه وسلم من مكة كان ظاهر الأمر مكروهاً ولكن في باطنه الخير والفلاح والمنة, فإنه بهذه الهجرة أقام صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام ووجد أنصاراً وتميز أهل الإيمان من أهل الكفر, وعرف الصادق في إيمانه وهجرته وجهاده من الكاذب. ولما غُلب عليه الصلاة والسلام وأصحابه في أحد كان الأمر مكروهاً في ظاهره شديداً على النفوس لكن ظهر له من الخير وحسن الاختيار ما يفوق الوصف, فقد ذهب من بعض النفوس العجب بانتصار يوم بدر والثقة بالنفس والاعتماد عليها, واتخذ الله من المسلمين شهداء أكرمهم بالقتل كحمزة سيد الشهداء, ومصعب سفير الإسلام, وعبدالله بن عمر والد جابر الذي كلمه الله وغيرهم, وامتاز المنافقون بغزوة أحد وفضح أمرهم وكشف الله أسرارهم وهتك أستارهم. . وقس على ذلك أحواله صلى الله عليه وسلم ومقاماته التي ظاهرها المكروه وباطنها الخير له وللمسلمين.

ومن عرف حسن اختيار الله لعبده هانت عليه المصائب وسهلت عليه المصاعب, وتوقع اللطف من الله واستبشر بما حصل ثقة بلطف الله وكرمه وحسن اختياره حينه يذهب حزنه وضجره وضيق صدره, ويسلم الأمر لربه جل في علاه فلا يتسخط ولا يعترض ولا يتذمر بل يشكر ويصبر حتى تلوح له العواقب وتنقشع عنه سحب المصائب.

نوح عليه السلام يُؤذى ألف عام إلا خمسين عاماً في سبيل دعوته, فيصبر ويحتسب ويستمر في نشر دعوته إلى التوحيد ليلاً ونهاراً, سراً وجهراً, حتى ينجيه ربه ويهلك عدوه بالطوفان.

إبراهيم عليه السلام يُلقى في النار فيجعله الله عليه برداً وسلاماً, ويحميه من النمرود وينجيه من كيد قومه وينصره عليهم ويجعل دينه خالداً في الأرض.

موسى عليه السلام يتربص به فرعون الدوائر ويحيك له المكائد ويتفنن في إيذائه ويطارده, فينصره الله عليه ويعطيه العصا تلقف ما يأفكون, ويشق له البحر ويخرج منه بمعجزة ويهلك الله عدوه ويخزيه.

عيسى عليه السلام يحاربه بنو إسرائيل ويؤذونه في سمعته وأمه ورسالته, ويريدون قتله فيرفعه الله إليه وينصره نصراً مؤزراً ويبوء أعداؤه بالخسران.

(1) رواه أحمد في مسنده (19401)

حتى تكون أسعد الناس · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حتى تكون أسعد الناسص ١٧