فإذا كانت تعاليم الإسلام فى الأوج وكانت حال المسلمين فى الحضيض فإن هذا التناقض سيظل أبدا مثار ارتداد عن الإسلام ، أو اتهام له . . ! فهل تحسب أن الله يكرم أمة من الأمم بدين عظيم فتأبى هى الكرامة ، ثم تعكس هوانها على دينها وبعد ذلك تفلت من العقاب الأعلى . . ؟ كلا.. ومن هنا تتابعت السياط الكاوية على الأمة المفرطة ، وتناولتها اللطمات من كل جانب . . وبلغ من إيجاع القدر للمفرطين أن اليهود كانوا هم الأداة التى ضربوا بها ! كأن المسلمين لم يضربوا بعصا ، حين أخطئوا ، لقد ضربوا هذه المرة بإخوان القردة ونعال الأرض . . ! وما من منكر ارتكبه أبناء إسرائيل قديما واستحقوا به غضب الله إلا فعل المسلمون فى العصور الأخيرة مثله . . ! وكتابنا شاهد علينا ، فلننظر: ما الذى نسب إلى هؤلاء ولنقارن بين ما وقع منا ، وما نسب إليهم . . أخذت المواثيق على بنى إسرائيل ألا يسفكوا الدماء ، وألا يروعوا الآمنين ، وألا يشردوا رجلا من بيته ، ويخرجوه من أهله . ففعلوا ذلك كله ، وفعلنا نحن مثله . . تأمل قوله تعالى: ((وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ، ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان …)). وهذا الميثاق يتضمن- بلغة عصرنا- ضمانات لحقن الدماء ، وحفظ الحريات، وإشاعة الطمأنينة . والواقع أن القيمة العليا ، أو الميزة العظمى للمجتمع المتدين أن يكون الإيمان مصدر أمان لكل فرد فيه ، وأن يكون الإسلام مبعث سلامة وعافية ورضا . . أما أن يحيا الضعيف قلقا على حرماته ، وأن يمشى فى البلاد خائفا يترقب ، أما أن ينتفخ القوى ويبسط يده بالأذى دون رادع ، أما أن يستطيع ملاك السلطة اختطاف الناس من بيوتهم أو بتعبير القرآن الكريم إخراجهم من ديارهم فهذا وضع لا يستقر معه إيمان . . ص _032
حصاد الغرور · الصفحة ٢٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ٢٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي