... والمعاني الفطرية لهذين الحرفين تتناسق فيما بينها لتشكل حركة (اندفاع) من الداخل إلى الخارج بفعل جاذبية الامتصاص في (الميم). فيكون معنى (التبعيض أو التجزئة) هو المعنى الفطري الأصل لها، باعتباره هو محصلة خصائص حرفيها: (الميم والنون). فهل سيغلب هذا المعنى الفطري على معانيها واستعمالاتها؟.
ثانياً-حول معانيها واستعمالاتها التراثية
هي لدى (ابن هشام) على خمسة عشر وجهاً. ويرى أن الغالب عليها هو (ابتداء الغاية) فيجعله في مقدمة معانيها ووجوهها. أما نحن، فنرى أن (التبعيض) هو أساس معظم معانيها، فجعلناه في مقدمتها.
1-التبعيض: ويصحُّ أن نطلق عليه اسم (التجزئة)، أي (جزء من)، نحو (شربت من الإناء)، أي (جزءاً من محتوى الإناء)، وكقوله تعالى: ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون))(32) بمعنى (جزءاً)، مما تحبون من الأموال. ونحو: (هذا الرجل من قريش)، إذ يشكل جزءاً من رجال قريش. وهذا المعنى التراثي يتوافق مع المعاني الفطرية لمحصلة حرفي (الميم والنون).
2-ابتداء الغاية: وهو الغالب عليها فيما يرى (ابن هشام)، حتى ادّعى جماعة أنَّ سائر معانيها راجعة إليه. فهل هذا صحيح؟.
... إنَّ ابتداء الغاية، إمّا مكاني، كقوله تعالى: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى))(33). ولئن كان (إسراء) الله بعبده قد ابتدا (من) المسجد الحرام إلاَّ إن هذا الإسراء قد تضمَّن (استخراج) عبده (مِنَ) المسجد الحرام، بما يتوافق مع أحد معاني (الميم) في الاستخراج كقولنا ((استدنت من زيد)).
... وإما أن تكون زمانية. كقول رسول الله (ص): ((فمطرنا مِنَ الجمعة إلى الجمعة)). فالجمعة الأولى فيما نرى هي (جزء) من أيام الأسبوع، أو بعضه.
... وهكذا فإن معنى ابتداء الغاية يتماس مع معاني الاستخراج والتبعيض والتجزئة.