وهكذا فالمجرورات بحروف الجر، باعتبارها مفعولات غير مباشرة، قد جرها العربي بالكسرة ليسهل الاعتداء عليها في هذا المكان الخفيض. وذلك على مثال ما اختار الكسرة للمضاف إليه ليسهل تحميله واقعة الإسناد، أي الإضافة في هذا المكان الخفيض أيضاً.
على أنه كان من الممكن نصب هذه المفعولات غير المباشرة بالفتحة أيضاً كالمفعولات المباشرة ولكن العربي قد اختار لها الكسرة لأمرين اثنين:
1-للعلاقة الفطرية بين المجرورات بحروف الجر والمضاف إليه كما أسلفنا: (علاقة حسب عضوية).
2-منعاً للالتباس بينها وبين المفعولات المباشرة (علاقة نسب معنوية).
فالكسرة هي كالفتحة، لا بل وأشد رضوخاً، من شأنها أن تضع المجرورات في موقع يسهل معه الاعتداء عليها مباشرة أو بصورة غير مباشرة.
فماذا عن حروف الجر؟
1- (اللاّم)
أولاً-حول خصائصها ومعانيها الفطرية:
يتشكل صوتها كما جاء في المحيط: ((بالتِصاق إحدى حافتي اللسان بالحنك الأعلى مع ترك الحافة الثانية سائبة يتسرب على جانبيها الهواء الخارج من الجوف، أي النفَس)).
إن التِصاق جانب اللسان بالحنك الأعلى يضاهي واقعة الالتصاق في الطبيعة.
ولقد كان لمعاني الالتصاق في المعجم الوسيط (83) مصدراً جذراً تبدأ باللام من أصل (212) مصدراً، كما في (لبد-لثب-لحف-لحم-لأم-لطأ-لزَّ-لزم-لزب-لزق-لصق.).
وما نحسب أن ثمة حرف جر هو أقدم استعمالاً من (اللام). وذلك ليس لأنها حرف إيمائي-تمثيلي قد أبدعها العربي في المرحلة الزراعية فحسب، وإنما لأن خاصية الالتصاق في طريقة النطق بصوتها هي من أهم وظائفها ومعانيها التراثية. والتملك هو أحد التطبيقات الميدانية لواقعة الإلصاق.
ومن المرجَّح أنَّ كلمة (لي) المؤلفة من حرف زراعي (اللام) وحرف غابي (الياء) كانت أقدم المجرورات المستعملة، تلبية لحاجات الإنسان الغريزية في التملك.