وفي الحقيقة أن (الواو) تستمد معناها الفطري في العطف من خاصية تدافع النفَس في جوف الفم عند خروج صوتها، على مثال ما يتدافع متعاطفوها على الطبيعة نحو: ((جاء زيد وعمر وبكر)).
ثانياً-حول معانيها واستعمالاتها التراثية:
بالرجوع إلى (مغني اللبيب) لابن هشام عثرنا على نيف وثلاثين وجهاً وقسماً ومعنى واستعمالاً لـ (الواو). وقد حظي العطف الصريح والضمني بمعظمها، لينفرد عن سائر أحرف العطف بخمسة عشر حكماً لا مجال لتعدادها، ولا جدوى لنا هنا منها.
وهذه الوفرة في معاني (الواو) واستعمالاتها التراثية للعطف وسواه، يعود برأينا إلى أمور ثلاثة:
أ- ... أن النفَس عند خروج صوتها لا يصطدم بأي عائق في جهاز النطق يفرض عليها إيحاءات صوتية معينة.
ب-كما أن (الواو) المنفردة غير المقترنة بأي حرف آخر لا تجد ما يحدّ لها من وظائفها وتلونات معانيها ووجوه استعمالاتها، فكانت بذلك أكثر أحرف العطف تحرراً وحرية، وإن لم تكن أكثرها معاني واستعمالات.
ج-إن خصائص الفعالية والاستمرارية والمرونة في صوتها قد جعلتها أكثر الحروف تمثيلاً لواقع التدافع في العطف، فأهَّلها ذلك كيما تكون أكثرها طواعية لأداء مختلف وظائفها ومعانيها بلا قيود ولا شروط.
فالأصل في العطف بـ (الواو) على ما أجمع عليه النحويون هو للجمع بلا قيد. فلا يشترط الترتيب في متعاطفيها، ويجوز العكس. ففي قولنا: ((قدم زيد وعمرو وبكر ... )) قد ينصرف إلى أنهم قدموا معيَّة في زمن واحد، بذات الترتيب أو بترتيب مغاير. وقد يكون أيٌّ منهم قد سبق الآخر بزمن متقارب أو متراخ.
وهكذا فالمعنى الأصل لـ (الواو) هو جمع متعاطفيها، بترتيب أو بلا ترتيب في المكان وبتقارب أو تراخ في الزمن.
ولما كانت (الواو) غابية النشأة وكان معنى العطف فيها مستمداً من خصائصها الفطرية في تدافع النفَس عند خروج صوتها، فإنها تكون بالضرورة أقدم أحرف العطف وأصلها جميعاً.
2-الفاء