لقد أشرنا في دراسة (الهاء) إلى أن العربي قد أكثر من استعمالها معجمياً للمعاني الرديئة، بما يتوافق مع طريقة النطق بصوتها (مهتزاً، مضطرباً، مخنخناً به ... ). وأنه قد وضع (الهاء) في مقدمة ضمير الغائب غضاً ضمنياً بمقامه الاجتماعي بمواجهة المتكلم والمخاطب.
على أن العربي قد استعمل (الهاء) أحياناً قليلة للمعاني الجيدة بما يتوافق مع طريقة النطق بصوتها في أول الحلق (مخففاً، مرققاً، مطموس الاهتزازات) ليكون أوحى الأصوات بالخشوع والحنين. فاستعمل لفظة (ياهو) للتوسل بالذات العلية. وذلك على مثال ما استعمل (الخاء) المختصة أصلاً بالمعاني الرديئة ((للخير والخصب والخفر) وما إليها ...
وتعليق لابد منه:
ما أحسب أن ثمة قطاع لغوي هو الكشف عن المضامين الاجتماعية في اللغة العربية من قطاع حروف المعاني وأصول استعمالاتها، ولاسيما أسماء الإشارة والضمائر.
فلقد تخير الإنسان العربي الحروف والصيغ المناسبة للتعبير عن مقاصده ومعانيه بما يتوافق مع عاداته وتقاليده (الرعوية ـ الذكورية)، مما أتّاح لنا في جملة ما أتاح، إلقاء الأضواء على تاريخه المنسي، إن لم نقل المجهول، بصدد تطوره الاجتماعي في جزيرته العربية.
((
الفصل الحادي عشر-
متفرقات ـ
(الهمزة ـ هَلْ ـ لَوْ)
لقد محصنا حتى الآن (63) حرفاً معنوياً و(7) من أسماء الكناية و(5) من ضمائر الغائب وأربعين مفردة من أسماء الإشارة بما مجموعه (119) حرفاً واسماً وكانت الخصائص الفطرية للحروف العربية التي شاركت في تراكيبها تتوافق مع معانيها واستعمالاتها، ما شذّ عن ذلك إلا قلة قليلة منها اعتبرناها مصطلحات على معان أو معاني شاذة لا يؤبه لها.