ب-كم الاستفهامية: يطلب بها تعيين العدد، كما لو سألت المخاطب: "كم كتاباً قرأت"؟ وهكذا فإن معاني (كم) التراثية، المكنى بها عن الكثرة، سواء في الخبرية أو الاستفهامية تتوافق مع معانيها الفطرية في التراكم (للكاف) والجمع (للميم). فالصفة الحسية المشتركة بينهما هي (كثرة العدد).
وإن (كم) الخبرية و(كم) الاستفهامية لدى النَّحاة تشتركان في أن كلتيهما اسم مبهم كناية عن عدد مفتقر إلى التمييز، مبنيٌّ على السكون واجب التصدير.
وتختلف (كم) الخبرية عن (كم) الاستفهامية في شيئين: فالأولى للإخبار بالكثرة، أما الثانية فللاستفهام عن العدد. كما أن تمييز الأولى مجرور دائماً بالإضافة، أو بـ (من)، أما تمييز الثانية فمنصوب أبداً.
كما أن تمييز الخبرية يجوز إفراده وجمعه، نحو: "كم كتبٍ –كتابٍ قرأت". أما تمييز الاستفهامية فلا يكون إلا مفرداً.
وهكذا، بتوافق الخصائص الفطرية لحرفي (كم) مع معانيها التراثية، يمكن اعتبارها إحدى المستحاثات اللغوية.
2-3-4- (كأيّنْ- كأيّ- كائِنْ)
هذه الأسماء الثلاثة، وإن كانت تختلف قليلاً في تراكيب أحرفها، فإن لها معان تراثية واستعمالات موحدة.
ولما كانت (كأيّ) المنتهية بالياء المشددة المنونة هي أبسط تركيباً من (كأين) المنتهية بالياء المشددة والنون فمما لا شك فيه أنها هي الأصل التاريخي لها. فكانت الأجدر بالدراسة من شقيقتيها (كأيّن وكائن) يعزز هذا الرأي ما ذكره الغلاييني عنها:
"كأيِّ، هي في الأصل مركبة من كاف التشبيه و(أيّ) للشرط والاستفهام. ولأنّ التنوين قد صار جزءاً من تركيبها، كتبت بالنون، "جامع الدروس ج1 ص148".
أما (كائن)، فهي لدى الغلاييني والأنطاكي (كأيّن) ذاتها كقول الشاعر المتنبي:
وكائن ترى مِنْ صامتٍ لك مُعجب ... زيادته أو نقصُه في التكلُّمِ".
بتقدير (كثيراً ما ترى)، ونرى أن الشاعر قد أتى بها هنا لضرورة الوزن مما يرجح أنها كانت من صناعة الشعراء وابتكاراتهم.