تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَمَرِضَ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ.

فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ قِيلَ لِي لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ)) (1)

(فَاجْتَوُوا الْمَدِينَة) وَمَعْنَاهُ: كَرِهُوا الْمَقَام بِهَا لِضَجَرٍ , وَنَوْع مِنْ سَقَم. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَصْله مِنْ الْجَوَى وَهُوَ دَاء يُصِيب الْجَوْف.

(فَأَخَذَ مَشَاقِص) هُوَ سَهْم فِيهِ نَصْل عَرِيض.

وَأَمَّا (الْبَرَاجِم) فَهِيَ مَفَاصِل الْأَصَابِع وَاحِدَتهَا (بُرْجُمَة).

(فَشَخَبَتْ يَدَاهُ) أَيْ سَالَ دَمُهُمَا , وَقِيلَ: سَالَ بِقُوَّةٍ.

قال النووي: أَمَّا أَحْكَام الْحَدِيث فَفِيهِ حُجَّة لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ لأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسه أَوْ اِرْتَكَبَ مَعْصِيَة غَيْرهَا وَمَاتَ مِنْ غَيْر تَوْبَةٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ , وَلا يُقْطَع لَهُ بِالنَّارِ , بَلْ هُوَ فِي حُكْم الْمَشِيئَة. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان الْقَاعِدَة وَتَقْرِيرهَا. وَهَذَا الْحَدِيث شَرْح لِلأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْله الْمُوهِم ظَاهِرهَا تَخْلِيد قَاتِل النَّفْس وَغَيْره مِنْ أَصْحَاب الْكَبَائِر فِي النَّار , وَفِيهِ إِثْبَات عُقُوبَة بَعْض أَصْحَاب الْمَعَاصِي فَإِنَّ هَذَا عُوقِبَ فِي يَدَيْهِ فَفِيهِ رَدّ عَلَى الْمُرْجِئَة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَاصِي لا تَضُرّ. وَاَللَّه أَعْلَم. (2)

حكم الصلاة على المنتحر:

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:

((أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ)) (3)

قال النووي:

(1) رواه مسلم في الإيمان باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر (167)، وأحمد (14453)

(2) شرح مسلم (1/ 230)

(3) رواه مسلم في الجنائز باب ترك الصلاة على قاتل نفسه (1624)، والترمذي في الجنائز (988)، والنسائي في الجنائز (1938)، وابن ماجه في الجنائز (1515)، وأحمد (19886)

حرمة الدماء · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حرمة الدماءص ٧٩