تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الصعوبة بمكان، بل من الاستحالة أن تستمر الأمور على نسق واحد من بداياتها إلى منتهاها، بل إن المتغيرات التي تطرأ على الأحداث تجعل من الحكمة إعادة النظر في السياسات الاستراتيجية والأهداف بعيدة المدى وإعادة صياغتها بما يتناسب مع الوقائع الجديدة.

كان هذا المنطق واضحاً بشكل كبير لدى إيران، التي أنشأت "حزب الله" ورعته حتى أصبح كياناً له وزنه المعتبر في لبنان، وكانت التحولات التي طرأت على إيران تفرض لا محالة تغيرات جذرية على سياسة "حزب الله" ومنهجه وعمله.

ومنذ البداية، منذ أن كان رئيساً للبرلمان الإيراني عقب عام 1981م، ركز رفسنجاني على اعتبار الثورة الإسلامية قدوة ومثالاً دون الإشارة إلى التدخل الخارجي، وعبرت الصحافة الموالية له عن هذه المواقف، وقد ذكر رفسنجاني عام 1989م عندما كان رئيساً للبرلمان أنه يرفض التضحية بما تحقق على مستوى بناء المؤسسات داخل الجمهورية الإسلامية، أو إعاقة استكمال تنفيذ أهداف الثورة داخلياً مقابل تصدير الثورة خارجياً.

وجاء التخلص من مير حسين موسوي بإلغاء منصب رئيس الوزراء عقب انتخاب رفسنجاني رئيساً للجمهورية وتعديل الدستور ليعكس إقصاء أحد دعاة تيار تصدير الثورة الإيرانية، وكان قد سبق هذه الخطوة إقصاء مهدي هاشمي ـ صهر آية الله منتظري المرشح السابق لخلافة الخميني وأحد دعاة تصدير الثورة ـ مسؤول مكتب دعم حركات التحرير في العالم عام 1986م، بعد أن قام بتسريب أنباء فضيحة إيران جيت ، (1) حيث ألمح إلى دور رفسنجاني فيها. وجاء إقصاؤه متزامناً مع وقف الدور الخارجي للمكتب، ثم تم إعدام هاشمي في صيف 1987م.

كما كررت إيران بكثرة منذ عام 1985م إدانة عمليات تخريب وخطف طائرات، كما ساهمت في الإفراج عن ركاب طائرات مختطفة، وعقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية في عام 1989م قام بإقصاء علي أكبر محتشمي ـ أحد دعاة تصدير الثورة ـ من وزارة الداخلية.

وعقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية أيضاً، عبر عن رفض فرض الثورة على المسلمين خارج إيران، بينما طالب الحركات الإسلامية خارج إيران باتخاذ الثورة الإيرانية قدوة ومثالاً لها، وبالسعي لإيصال صوت الثورة إلى الناس؛ وأضاف أن إيران ستصدر أفكارها في القوانين الدولية، كما تحدث المرشد الجديد للثورة سيد علي خامنئي عن الدعاية لفكر الثورة الإيرانية في الخارج بين صفوف المستضعفين، وتزامن ذلك مع هزيمة الراديكاليين في انتخابات المجلس (البرلمان) في إبريل عام 1992م وفي طليعتهم أحمد الخميني، ومهدي كروبي، وأرملة الرئيس الإيراني الراحل محمد علي رجائي، وحجة الإسلام الخوئي، وعلي أكبر محتشمي، وآية الله صادق خلخلي رئيس المحاكم الثورية الإسلامية سابقاً، بالإضافة إلى قرار دمج وزارتي الدفاع والحرس الثوري في وزارة واحدة للقوات المسلحة في أغسطس عام 1989م مما عنى في الواقع إنهاء أي دور خارجي مستقل للحرس الثوري.

وسبق ذلك قبول الخميني استقالة خليفته المعين آية الله منتظري في 28 مارس 1989م، وكان منتظري يجسد دور راعي دعاة تصدير الثورة، وكان يميل إلى دور إيراني فعال ونشيط في تصدير الثورة، ودعم الحركات الإسلامية الراديكالية في البلدان الإسلامية الأخرى.

والواقع أن التحول نحو السياسة البراجماتية داخلياً وخارجياً قد ارتبط بانتهاء الحرب مع العراق والإحساس بالاختناق الاقتصادي وبالحاجة للانفتاح على العالم، خاصة في اجتذاب استثمارات الغرب وتكنولوجيته لإعادة تعمير إيران مما تطلب اعتدالاً في السياسة الخارجية.

ومنذ عام 1986م كانت إيران قد بدأت تمارس ضغوطاً على التنظيمات المسلحة الموالية لها في لبنان، للإفراج عن الرهائن الغربيين مقابل تحقيق مصالح وأهداف "للثورة الأم" في إيران؛ مثل الحصول على استثمارات فرنسية في قطاع البتروكيماويات الإيراني، أو طرد فرنسا لقيادات منظمة مجاهدي خلق المعارضة من أراضيها منذ يونيو عام 1986م، وتسوية ديون قديمة مع فرنسا، أو الحصول على أسلحة أمريكية، أو إفراج الرئيس الأمريكي عن 570 مليون دولار ودائع إيرانية مجمدة في 7 نوفمبر عام 1989م، بل إن إيران أدانت في نوفمبر عام 1991م احتجاز الرهائن، باعتباره عملاً غير إنساني، وذكَّرت بمطالبتها الإفراج عن 4 إيرانيين اختطفوا عام 1982م، كما حرصت منذ ذلك الوقت على تكرار إدانتها للإرهاب واعتبار نفسها ضحية لعمليات إرهابية.

(1) انظر بعض تفاصيل قضية إيران جيت في مذكرات وزير الخارجية الأمريكي وقت حدوث الفضيحة، جورج شولتز "اضطراب ونصر" الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، ط1/1414هـ.

حقيقة المقاومة · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة المقاومةص ٦١