تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإثر الاعتداءات (الإسرائيلية) المتكررة على الفلسطينيين داخل الأراضي اللبنانية منحتهم الدولة حق الدفاع عن أنفسهم ضد الاعتداءات الخارجية عليهم بدلاً من أن تكون هي المسؤولة عن حماية كل من يقطن داخل حدودها سواء بالطرق السلمية أم بالقوة؛ فالدولة عادة ـ كل دولة ـ تقدم نفسها مركز استقطابٍ وحيد لممارسة العنف القانوني في المجتمع؛ فعنف الدولة له أساليبه ـ أي قانونيته ـ لكن الدولة اللبنانية بتركيبتها الضعيفة سلطوياً قد سمحت لنباتات (العنف اللاشرعي) ـ أي الخارج عن إطار الدولة ـ أن تنمو على جوانبها، ومهدت للاحتراب بين اللبنانيين عندما وقفت شاهد زور من استعداداتهم للحرب، وهي بتركيبتها الطائفية الحساسة لم تستطع التعامل مع القضية الفلسطينية كما تعاملت معها سائر الدول العربية، فمهّدت بذلك لحرب الآخرين على الأرض اللبنانية.

حتى الأحزاب التي تؤكد أنها غير طائفية من حيث المبدأ والغاية، وتلك التي ترفع شعار العلمنة والديموقراطية والمساواة لا تفلت من فخ الطائفية إلا قليلاً. والظاهرة البارزة التي نشأت في ظل الحرب هي تعدد الأحزاب والمنظمات والحركات بشكل لم يسبق له مثيل.

واللافت للنظر أن إمعان الأحزاب والمنظمات في تحديد هويتها الطائفية ربما كان لاستقطاب أكبر عدد من (الأتباع) أو لإبراز(خصوصيتها).

وفي جميع الأحوال انخرطت تلك الأحزاب في لعبة الطائفية نفسها التي استخدمها الإقطاع السياسي لإحكام سيطرته وتثبيت مواقعه. أما الأحزاب العلمانية فإن كلاً منها قد اتخذ صبغة القطاع الطائفي (الكانتون) الذي يوجد داخل حدوده.

وحددت الأحزاب والميليشيات مناطق نفوذ لها، وأخذت تثبت مواقعها داخلها؛ واعتباراً من عام 1984م أخذت الخطوط الفاصلة بين مناطق النفوذ تتضح؛ ففي بيروت وضواحيها وفي جزء من جنوب لبنان هناك سيطرة لقوات أمل الشيعية وحلفائها، وفي ضاحية بيروت الجنوبية وبعض مناطق البقاع والهرمل هناك سيطرة لقوات حزب الله الشيعية، وفي بيروت الشرقية وضواحيها وبعض مناطق الجبل هناك سيطرة للقوات اللبنانية المارونية على جزء منها، وسيطرة فئة من الجيش اللبناني على الجزء الآخر في عام 1990م، وفي الشوف سيطرة لقوات الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزية وحلفائها، وفي الشمال سيطرة لقوات المرَدة المارونية المعادية للقوات اللبنانية، وفي أقصى الجنوب هناك الحزام الأمني الذي صنعته (إسرائيل) بينها وبين جنوب لبنان، يسيطر عليه "جيش لبنان الجنوبي" المدعوم من قِبَلِ (إسرائيل).

فماذا بقي للدولة وسط هذه (البانوراما السلطوية) حتى تسيطر عليه؟

من جهة أخرى، شكلت الطائفية أفق الدولة اللبنانية الذي استوحت منه تصوراتها للمجتمع والكون ونمط الوجود، وللتنظيم الاجتماعي، والتوزيع البيروقراطي، كي تجند لا جيشاً عقلانياً عسكرياً واحداً وجيشاً مدنياً منظماً واحداً (من البيروقراطيين وموظفي الدولة) بل جيوشاً طائفية مرتهنة لجماعاتها المتنطعة والمتوجهة عقلياً وعاطفياً نحو الذات الطائفية المنغلقة.

ثم بدأ طرح إلغاء الطائفية السياسية؛ لأنها سبب البلاء، ولأنها تمنع الانصهار الوطني، وتحقيق المواطنة الحقة. والمطالبون بإلغاء الطائفية السياسية أغلبهم في مواقع طائفية بعضها شديد العصبية؛ فالأحزاب المطالبة بإلغاء الطائفية أحزاب طائفية بتركيبتها، وبدهي أن المطلب الصادر من موقع طائفي هو طائفي أياً كان التعبير اللفظي عنه، ومطلب إلغاء الطائفية يعني تحديداً: استبدال ديمقراطية عددية تعني سيطرة على الحكم والإدارة بحكم العدد أو بحكم ما يظن من غلبة عددية بالديمقراطية الإصلاحية المركبة المعقدة أساساً للعيش المشترك اللبناني .(1)

لقد كان لبنان في خاتمة الأمر تركيباً مرقعاً من العشائر والعقائد والمجموعات العرقية التي تعيش في توازن قلق، وهذه حالة كان معترفاً بها من خلال التقاسم المعقد للمناصب العامة والامتيازات، مهما كانت صغيرة وثانوية، على أساس الهوية الطائفية.

وكان من أعجب ملامح النظام اللبناني استمرار النفوذ السياسي لحفنة من الوجهاء مدة طويلة، والانقسامات الطائفية والسيطرة على الحياة الاقتصادية من قِبَلِ شبكة من الأسر والعوائل العاملة في التجارة والصيرفة والتي تهمها أرباحها أكثر من الصالح العام.

(1) انظر: د. فاطمة بدوي، الحرب، المجتمع والمعرفة، الحرب الأهلية وتغير البنى الاجتماعية والعقلية في لبنان، ص 99 ـ 118، دار الطليعة، بيروت، ط 1/1994م. وانظر: د. محمود حسن عبد العزيز الصراف، الطائفية اللبنانية من النشأة حتى الأزمة، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، 1987م، وانظر: هاني فارس، النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1980م وانظر: ألبير منصور، الانقلاب على الطائف، ص 51 ـ 57، دار الجديد، بيروت، ط/1/1993م.

حقيقة المقاومة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة المقاومةص ٦