تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن الأسد قد ملأه الفزع لاحتمالات وجود لبنان متشدد مغامر عند خاصرة سوريا، يستفز "إسرائيل" ويجعل الغرب يجفل من إطلاق العنان للمتصلبين الفلسطينيين، وكان هذا بالضبط هو ما يقود إليه طموح التحالف الوطني؛ ذلك أن جنبلاط ـ إذا لم يكن بوسعه السيطرة على لبنان بأكمله ـ فقد كان واضحاً أنه وضع نصب عينيه النصف "اليساري"، الجنوب و الشوف وصيدا وبيروت الغربية؛ حيث كان يتصور نفسه يدير نوعاً من "كوبا" أخرى على شواطئ الأبيض المتوسط، وكان يتصور أن الدعم السوفييتي سيحمي دولته هذه من أن يمسها أحد بسوء.

لم تكن لدى الأسد ثقة بالفدائيين، وصار يرى بأن العمليات الفدائية كانت مؤذية وخطرة من حيث أنها "لأجل نتائج تافهة وضئيلة" تمكن "إسرائيل" من حشد تأييد وعطف عالمي وتحريكه، وتعرض الدول العربية للهجوم!!

وفي عام 1975 ـ 1976م تنبه الأسد إلى أن الفسلطينيين يمسكون مفاتيح سيادة لبنان وسلطة اتخاذ قرار الحرب والسلام، وأصبحت تلك هي العقدة الجوهرية الكامنة في لب نزاعه معهم.

وقد حذر الأسد عرفات كي يبقى خارج الحرب؛ إذ إن الاضطراب في لبنان لم يكن في صالح المقاومة، وقد جادل بأنه ليست هنالك أية علاقة ممكنة بين مقاتلة النصارى في جبال لبنان واستعادة فلسطين.

وفي ليلة 31/5/1976م عبرت الطوابير السورية المدرعة الحدود اللبنانية بقوة، وعلى الفور فكت حصار الفلسطينيين واليساريين عن المعاقل المسيحية، ولا سيما مدينة زحلة الهامة في وادي البقاع.

كان هدف التدخل كما كان معلناً ليتعلم الفلسطينيون التعقل، وليبقى النصارى الموارنة عرباً !! ثم تدخلت المدفعية والطيران لدعم التدخل السوري أعمق فأعمق في لبنان.

وفي أواخر يونيو 1976م كانت القوات السورية تحاصر المعاقل الفسلطينية واليسارية وخطوط إمدادها وتموينها في البر والبحر، وتسيطر على نحو ثلثي البلد.

جعل التدخل السوري الفسلطينيين واليساريين يتخذون موقف الدفاع؛ وغيَّر مجرى الحرب الأهلية، ومكَّن النصارى .(1)

من التحول إلى الهجوم، وخصوصاً ضد الجيوب المعادية في أراضيهم، ولا سيما ضد مخيم تل الزعتر الكبير واسع الامتداد في ضواحي بيروت الشرقية، فحاصروه.

وكان هذا المكان الفقير المهترئ يقطنه ثلاثون ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين، فسقط آخر الأمر في 12/8/ 1976 بعد اثنين وخمسين يوماً من الحصار الوحشي الشديد، وقد مات فيه حوالي ثلاثة آلاف مدني معظمهم ذبحوا بعد سقوط المخيم في أيدي "النمور" جيش كميل شمعون بقيادة ولده داني.

وفي تلك الأثناء راقبت "إسرائيل" الأسد وهو يتقلب في المستنقع اللبناني دون أن تخفي سرورها ورضاها بذلك. وقال رابين ساخراً: إنه لا يرى حاجة للتشويش على الجيش السوري في قتله "لإرهابي عرفات".

لم تؤد الانتقادات التي كيلت للأسد إلى ثنيه عن أهدافه في إبعاد الفلسطينيين عن قلب الأراضي الداخلية للنصارى، وفصلهم عن الحركة الوطنية اليسارية، وترويض الطرفين لمصلحة استراتيجية الأوسع، وانقضى صيف عام 1976م بعمليات عسكرية صغيرة، ثم شن في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 1976م عدد من الهجمات الكبرى، انتهت بما يقرب من الدحر الكامل للفلسطينيين وحلفائهم.

عندئذ أصبح الأسد مستعداً لقبول الدعوة إلى مؤتمر قمة للمصالحة في 16 أكتوبر لتكريس انتصاره الباهظ الثمن، فأضفيت الشرعية على وجوده في لبنان، وتم الاعتراف بقواته على أنها العمود الفقري لقوة اقترح تشكليها باسم "قوات الردع العربية"، ووافقت بعض الدول العربية على تمويل نفقات تدخله!!. وأعيد الفلسطينيون إلى مخيماتهم.

وفي منتصف نوفمبر، دخلت القوات السورية إلى غرب بيروت، فاختفت الجيوش اليسارية الخاصة من الشوارع، وأُعلن عن انتهاء الحرب الأهلية.

أما حليف عرفات في الحرب الأهلية "كمال جنبلاط" فقد اغتيل في 16/3/1977م عندما كان في طريقه من قلعته في المختارة إلى بعقلين، أكبر القرى الدرزية في الشوف؛ فقد اعترض مسلحون سيارته، ودخل إليها رجلان، وأمرا حراسه بالخروج منها ثم أطلقا الرصاص على رأسه قبل أن يهربا ويختفيا. ولم يكن الإعجاب السوفييتي به كأحد العربيين اللذين مُنِحا جائزة لينين للسلام، عاصماً له أو درع وقاية من غدر الحلفاء الأقوى شوكة.

وخلفه ولده وليد في زعامة عشيرة جنبلاط الدرزية، وكان واحداً من كثيرين ألقوا بالمسؤولية في اغتياله على السوريين.

(1) تجمع النصارى تحت "الجبهة اللبنانية" التي تتكون من ميليشيا حزب الكتائب بزعامة بيير الجميل، وميليشيا النمور التابعة لحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وميليشيا جيش تحرير زغرتا بزعامة طوني فرنجيه، ومعهم ميليشيا حراس الأرز.

حقيقة المقاومة · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة المقاومةص ٥٢