ويورد محمد باقر الصدر، أحد أئمتهم المشاهير في العصر الحديث، والذي أُعْدِمَ في العراق، يورد حديثاً منسوباً إلى الإمام السابع موسى بن جعفر يقول: "إن الفقهاء هم حصن الإسلام، وهم مثل سور المدينة يحمونها ويذودون عنها، ويصدون أي هجوم يستهدفها".(1)
ويستمر التضليل بمحاولة الإقناع بأن الفقهاء لا دخل لهم في وظائفهم وخصائصهم بل إن "الفقهاء معينون ضمناً من قِبَلِ الله"(2)
وبذلك تكون سلطة الفقيه سلطة إلهية فـ "إن مصدر السلطة في القيادة الإسلامية وفي الدستور الذي يحكم الأمة ليس هو الأمة، وإنما هو الله، أما سلطة نائب المعصوم وولي الأمر في عصر الغيبة فهي الأخرى لا تُستمد من الأمة، إنما سلطته أيضاً إلهية، بحيث إن الراد عليه راد على الإمام المعصوم، والراد عليه كالراد على الله".(3)
وبهذه المراسيم والقوانين والتحذيرات والتهديدات، أصبحت سلطة الفقهاء فوق كل السلطات ولا تخضع لأي سلطة كانت، وكما يقول الخميني: "وإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء، وفي هذه الحالة، فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم".(4)
ولم يخرج محمد حسين فضل الله عن هذا الخط الساخن الرافع أقدار الفقهاء فوق منازل النبيين، فيورد حديثاً منسوباً إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول فيه "مجاري الأمور والأحكام بيد العلماء الأمناء على حلال الله وحرامه" ثم يقول: "وإذا فهمنا أن دور الأنبياء هو إقامة العدل بين الناس، وأن العلماء ورثة الأنبياء، فذلك يعني أن دور العلماء هو إقامة العدل في الأرض، وإقامة العدل في الأرض لا تتم إلا من خلال الحكم؛ لأن الحكم هو الأساس في تنظيم حركة العدل في الحياة، وبهذا نستفيد أن العلماء عليهم أن يقودوا المسيرة تماماً كما كان الأنبياء".(5) ويضيف: "إن رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي للأشياء شرعية بصفته نائباً عن الإمام، والإمام هو نائب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فالإمام هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، والفقيه العادل هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم".(6)
"فالواقع أن شرعية كل الأمور تنطلق من إمضاء الفقيه لها؛ وهذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستمد سلطانه من الشريعة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية من انتخاب الناس له، وإنما من إمضاء الفقيه لرئاسته، والأمر ذاته يطبق بالنسبة للنواب في مجلس الشورى والخبراء في مجلس الخبراء وغيره من المؤسسات الدستورية في الدولة".(7)
وقد حرصت السياسة الإيرانية على الاستحواذ الكامل في إعداد رجال الدين الشيعة في لبنان، كما حرصت على إيلائهم دوراً متصدراً في الساحة اللبنانية؛ فهؤلاء وحدهم يبدون مضموني الولاء للقيادة الإيرانية ولسياستها، كما يَظهرون وحدهم قادرين على صبغ المجتمع الشيعي اللبناني بصبغة عميقة تحصنه من التأثيرات المخالفة للنفوذ الإيراني والمنافسة له، وتتوسل طهران وقم بالتعليم الديني إلى تأطير الاجتماع الشيعي اللبناني تأطيراً متيناً، فتحل نخب ثقافية جديدة محل النخب المدنية التي تدين بعقائد سياسية أخرى.
(1) محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 165.
(2) الحكومة الإسلامية، ص 54.
(3) إيران: تحديات العقيدة والثورة، د. مهدي شحادة، د. جواد بشارة، ص 21 ـ 22.
(4) الحكومة الإسلامية، ص 54.
(5) محمد حسين فضل الله، ولاية الفقيه، ص 46.
(6) المصدر السابق، ص 55.
(7) المصدر السابق، ص 24.