تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشياطين لأنهم هم الذين يزينون لهم عبادة الأوثان ويضلونهم أكثرهم بهم مؤمنون كما قال تعالى (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) (1).

وهذا الذي تقدم لا يخرج عبّاد الأنبياء والصالحين والملائكة من مسمى عبدة الطاغوت لأن من أشرك مع الله غيره من الأنبياء والصالحين فهو مساو لمن أشرك مع الله غيره من الأحجار والأشجار والملحدين، فعبادة الكافر كلها عبادة للطاغوت لأن عبادة الطاغوت هي صرف شيء من أنواع العبادة لغير مستحقها وهو الله تبارك وتعالى، والمعنى في المعبودات واحد وإن كان بعضها له منزلة عند الله فإن هذه المنزلة لا ترشحه لأن يعبد من دون الله ولا تشفع لمن عبده في إزالة اسم الشرك عنه ولا إزالة اسم عابد الطاغوت عنه وإن كان المعبود لا يتأثر بهذه العبادة ولا ينقص قدره عند ربه بسبب عبادة من عبده وهو غير راض بذلك، وهذا المعنى يؤيده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم لا تجعل قبري وثناً لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (2)، فقبر الرسول صلى الله عليه وسلم ليس في حقيقة الأمر وثناً ولكن عندما يغلوا فيه أهل الغلو ويطوفون به ويقدمون له النذور ويمرغون خدودهم عليه ويسجدون عليه يكون لهم وثناً من هذه الحيثية.

ولهذا بوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب باباً في كتاب التوحيد بعنوان (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله) فلا يطلق على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسمى الوثن كما لا يطلق على الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعبد ويستغاث به في الشدائد بعد موته مسمى الطاغوت ولكن مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم لا ترفع عن عابده ولا عن عابد قبره مسمى المشرك عابد الوثن وعابد الطاغوت. والعبادة في حقيقة الحال تقع على الشيطان الذي أمر بها فيقال لعابد قبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو لعابده لماذا تتخذ قبر الرسول صلى الله عليه وسلم طاغوتاً لك ولماذا تتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم طاغوتاً لك تعبده من دون الله، كما يقال للنصارى لماذا تتخذون عيسى رباً لكم والحال أنه ليس عيسى رباً ولا الرسول صلى الله عليه وسلم طاغوتاً ولا قبره وثناً وإنما الكفار يزعمون ذلك، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "أجعلتني مع الله عدلاً" –وفي لفظ نداً- قال ذلك لمن قال له ما شاء الله وشئت (3). فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس نداً لله ولا عدلاً ولكن الرجل جعله كذلك في خطابه فأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم قلا يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم ند لله وعدل له، ويقال إن بعض الناس جعلوه نداً وعدلاً وهكذا يقال لمن عبد الصالحين والملائكة والأنبياء إنهم جعلوهم طواغيت يعبدونهم من دون الله ولا يضر الأنبياء والصالحين والملائكة هذا الفعل من الكفار ولا ينقص من قدرهم ولا يُبغض الأنبياء والصالحون والملائكة ولا يُتبرأ منهم لأنهم قد عُبدوا من دون الله وإنما تنكر عبادتهم من دون الله وتبغض وتجحد وتستر وتجتنب لأن العبادة حق خالص لله سبحانه لا يشركه فيها أحد من الخلق، وعبادة الأنبياء وغيرهم من الصالحين من دون الله من قبل بعض الناس هي الطاغوت التي يجب أن يكفر به لا بهم.

ومما تقدم من العرض عن معنى الطاغوت في اللغة والشرع يتضح أن مسمى الطاغوت يشمل عبادة جميع المعبودات من دون الله، ويمكن أن تقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 - القسم الأول الجمادات التي لا روح فيها من الأشجار والأحجار وما شابهها، وقد تقدم في الأحاديث تسمية مناة وذي الخلصة باسم الطاغوت.

2 - القسم الثاني ما فيه حياة كالأنس والجن والشياطين والحيوانات، وقد تقدم تسمية الشيطان والكهان ومردة أهل الكتاب بمسمى الطاغوت.

3 - القسم الثالث المسائل المعنوية كهوى النفس ورغباتها والأعراف والتقاليد المقدسة والقواعد المصونة المحترمة عند أصحابها المصادمة لدين الله والدساتير الملزمة المحللة والمحرمة ونحو ذلك من القضايا المعنوية التي لها سلطان على النفوس بحيث تخضع لها القلوب وتجلها وتعظمها وتخضع لها حالها وتسير على منهجها.

قال سبحانه (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (4). فهذا هوى غلاب لا يخالفه صاحبه بل يخضع له ويسير على ما يريد فكان معبوداً له اتخذه صاحبه إلهاً من دون الله، ولأجل هذا لما رأى ابن القيم أن الجهمية اعتمدوا مقولات باطلة تصرفهم عن الحق وهم يخضعون نصوص الوحي لها ويعطونها صفة القداسة التي تحمي جانبها من الخدش فلا يشكون في صحتها بل يجعلونها ميزاناً يزنون بها نصوص الوحي سمى تلك المقولات طواغيت فهو يقول "كسر الطاغوت الثاني وهو قولهم إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم العقل" (5)، ويقول "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز" (6). ويقول "فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا

(1) النساء: 117. انظر تفسير ابن كثير 6/ 511.

(2) مسند أحمد 2/ 246، والحديث صححه الدوسري في النهج السديد ص115.

(3) الحديث صححه الألباني برقم 139 في الصحيحة وذكر من خرجوه، وانظر مسند أحمد.

(4) الجاثية: 23.

(5) مختصر الصواعق 1/ 129.

(6) المصدر السابق 2/ 2.

حقيقة الكفر بالطاغوت وعلاقته بالإيمان بالله · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة الكفر بالطاغوت وعلاقته بالإيمان باللهص ٣٩