- وقال الإمام القرطبي: روى أبو عروة الزبيريّ من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلاً ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ مالك هذه الآية ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. فقال مالك: مَن أصبح من الناس في قلبه غيظٌ على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية (يعني: ليغيظ بهم الكفار)؛ ذكره الخطيب أبو بكر.
قلت- الكلام للقرطبي-: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحداً منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على الله رَبِّ العالمين، وأبطل شرائع المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية. وقال: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18] إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادةَ لهم بالصدق والفلاح؛ قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:3 2]. وقال: ﴿لِلْفُقَرَأَىءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ـ إلى قوله ـ أُوْلَائِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8]، ثم قال عز من قائل:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ـ إلى قوله ـ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الحشر: 9]. وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم"أهـ (1).
- وقال الشعبيّ-التابعي الجليل-: تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سُئلت اليهود: مَن خير أهل مِلّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى: من خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمِروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم (2).
- روى محمد الباقر بن علي بن الحسين عن أبيه رضي الله عنهم: أن نفراً من أهل العراق جاءوا إليه، فسبّوا أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ ثم عثمان ـ رضي الله عنه ـ فأكثروا؛ فقال لهم: أمِنَ المهاجرين الأوّلين أنتم؟ قالوا لا. فقال: أفمن الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا لا. فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين! أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
(1) - تفسير القرطبي (16/ 231) الناشر: المكتبة التوفيقية بمصر.
(2) - تفسير القرطبي (18/ 26)