ثم إذا رسول منهم ، يعرفونه صادقا أمينا ، ولا يعرفون عنه ما يشين ، يبعثه الله فيهم رحمة لهم وللعالمين ، دينه دين إبراهيم باني البيت الذي ينعمون في جواره بالأمن والطمأنينة والعيش الرغيد ؛ فإذا هم يكذبونه ، ويفترون عليه الافتراءات ، وينزلون به وبمن اتبعوه الأذى . وهم ظالمون .
والمثل الذي يضربه الله لهم منطبق على حالهم ، وعاقبة المثل أمامهم . مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، وكذبت رسوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون .
ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسا ؛ ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا ، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد . وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس . لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون
وفي التحرير والتنوير - (ج 8 / ص 146)
والمراد بالقرية أهلها إذ هم المقصود من القرية كقوله : ﴿ واسأل القرية ﴾ [ سورة يوسف : 82 ] .
والأمن : السلامة من تسلّط العدو .
والاطمئنان : الدّعة وهدوء البال . وقد تقدّم في قوله تعالى : ﴿ ولكن ليطمئنّ قلبي ﴾ في سورة البقرة ( 260 ) ، وقوله : ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ في [ سورة النساء : 103 ] .
وقدم الأمن على الطمأنينة إذ لا تحصل الطمأنينة بدونه ، كما أن الخوف يسبّب الانزعاج والقلق .
وقوله : ﴿ يأتيها رزقها رغداً ﴾ تيسير الرزق فيها من أسباب راحة العيش ، وقد كانت مكّة كذلك . قال تعالى : ﴿ أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ [ سورة القصص : 57 ] . والرزق : الأقوات . وقد تقدم عند قوله : ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ في سورة يوسف ( 37 ) .
والرّغد : الوافر الهنيء . وتقدم عند قوله : ﴿ وكلا منها رغداً حيث شئتما ﴾ في سورة البقرة ( 35 ) .