بينما كان (سراقة بن مالك) يطارد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه - وهما مهاجران خفية عن أعين قريش 00 وبينما كان سراقة يعثر به فرسه كلما هم أن يتابع الرسول وصاحبه، طمعاً في جائزة قريش المغرية التي رصدتها لمن يأتيها بمحمد وصاحبه أو يخبر عنهما 00
وبينما هو يهم بالرجوع –وقد عاهد النبي- صلى الله لعيه وسلم- أن يكفيهما من وراءه 00
في هذه اللحظة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا سراقة. كيف بك وسوارى كسرى؟ ) 00 يعده سوارى كسرى شاهنشاه الفرس! (ملك الملوك!).
والله وحده يعلم ما هي الخواطر التي دارت في رأس سراقة؛ حول هذا العرض العجيب؛ من ذلك المطارد الوحيد 00
إلا من صاحبه الذي لا يغني شيئاً عنه، والمهاجر - سرّا ً- معه!
ولكن كالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان عارفاً بالحق الذي معه، معرفته بالباطل الذي عليه الجاهلية في الأرض كلها يومذاك 00
وكان واثقاً من أن هذا الحق لابد أن ينتصر على هذا الباطل. وأنه لا يمكن أن يوجد (الحق) في صورته هذه، وأن يوجد (الباطل) في صورته هذه، ثم لا يكون ما يكون!
كانت الشجرة القديمة قد تآكلت جذورها كلها، بحيث لا يصلها ري ولا سماد 00 كانت قد خبثت بحيث يتحتم أن تجتث 00
وكانت البذرة الطيبة في يده هي المعبأة للغرس والنماء 00 وكان واثقاً من هذا كله ثقة اليقين 00
* * *
نحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته، وكل سماته. مع الجاهلية كلها من حولنا 00
فلا يجوز - من ثم - أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة. العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا. على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا!
إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج، ليست بأقل من حاجتها يومذاك 00
وإن وزن هذا المنهج اليوم - بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج - لا يقل عنه يومذاك 00