تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لدقتها، ثم تحتاج إلى قلم له دربة على الشرح والتفصيل، فإن تكلم مثلي فإنما يتكلم على ما يراه الأعمش، حيث لا يرى إلا التلول والجبال من هذه المعاني، وأمّا خيوط الذهب الخفية في هذه الجبال فلها رجالها ممن يعيشون بها، ويتلذذون بمعانيها، وهي لجوهرها وعلوها أهل صنن بها، تفلت منهم العبارة القصيرة هي أعلى من كل ما كتبت، وهي أدق من كل ما أتيت في هذه الورقات لك، وإني على يقين أن هذا العلم أعظم مراتب الفهم عن الله تعالى، بل هو من لباب كتاب ربنا في الأمرين؛ الشرعي والقدري، لكني أرجو أخي الحبيب أن تدلك هذه الخيوط الظاهرة مما كتبت على الكنوز الخفية في حالك الذي أنت فيه من البلاء والسجن حين أُسرت لإرادة النفير إلى أرض الجهاد، والكلمات إنما هي إشارات فوق المعاني، لا يحصل الذوق بها في القلب إلا بالخوض فيها والعيش في ظلالها وقطف ثمارها، وأنت الآن في بستانها، فعليكَ بكتاب الله وتلاوته، وعليكَ بالعلم والنظر فيه، وعليكَ بالذكر في كُلِّ آن، فعسى أن تحدث إخوانك وأبناءك يوماً ما ذقت ورأيت وفهمت فتكون لك الإمامة التي هي دعاء الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ آمين آمين.

وفي الختام إني لأرجو أن أردف لك بغير هذه الرسالة رسالة أخرى فيها ما تستعين به تحتاج إليه لتحقق حكم الإبتلاء وهي مقويات الصبر، فالطريق طويل وشاق، والإنسان قد خلقه الله في كبد، فهو في بلاء على كل حال، إن كان بين أهله أو بعيداً عنهم، أو كان في أَسر أو بدونه، فهذه طريق المؤمن، لا راحة له إلا بلقاء ربه جل في علاه، ونحن أهل ضعف وغفلة تعترينا لمات الضعف وغلبة الشيطان، لكن الأمر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾، وما أكتبه لك فإني بحاجةٍ إليه مثلك، فالحال واحد والله الموفق لسواء السبيل.

والحمد لله رب العالمين.

حكمة الابتلاء · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكمة الابتلاءص ٢٢