تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اختلف أصحاب هذا القول، هل يدخلون الجنة، أو يمتحنون بنار تؤجج لهم، كما في المسألة السابقة؟ والقول في هذه استدلالاً وجواباً كالقول في تلك، وقد ترجح هناك أن الامتحان لم يثبت بدليل صحيح فلا يصح القول به، وهو كذلك هنا، وقد قال ابن عبد البر في الحديث المسوق هناك: " ليس من أحاديث الأئمة الفقهاء، وهو أصل عظيم، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيف في العلم والنظر، مع أنه عارضها ما هو أقوى منها".

هذا وقد نقل عن بعض المتقدمين التوقف عن اختيار قول في هذه المسألة، فسكت بعضهم، وقال آخرون: الله أعلم بهم، وقال آخرون: هم تحت المشيئة، تأولاً لحديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاً:" الله أعلم بما كانوا عاملين "، وليس السكوت عند المحققين قولاً، ثم إن المراد بالحديث: أن الله يعلم ما سيعملونه لو عاشوا، أو أن الله يعلم ما سيعملونه عند الامتحان في الآخرة، على القولين في إثبات الامتحان وليس المراد به أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توقف في أمرهم.

وأما ما نقل عن بعضهم أن أطفال المشركين من أهل الأعراف، فليس قولاً مخالفاً للقولين المتقدمين، لأن الأعراف ليست قراراً، فأهلها يؤولون إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

قال ابن تيمية:" لا أعرفه عن خبر، ولا أثر، ولا يعارضه ما مر من قوله تعالى: (ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) لأنه مختص بحي عاش منهم إلى أن يبلغ"، وقال السبكي: " هذا القول لا أعرفه، ولا أعرف حديثاً ورد به، ولا قاله أحد من العلماء فيما علمت".

وأما ما نقل عن بعضهم أنهم خدم أهل الجنة فليس قولاً، وإنما فيه حديث عن أنس وسمرة مرفوعاً، وعن سلمان موقوفاً، وعن طاؤوس مرسلاً، ولم يصح فيه شيء، فأما حديث أنس فأخرجه أبو داود الطيالسي وأبو يعلى من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس، والرقاشي ضعيف، وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق مقاتل بن سليمان، عن قتادة، عنه، ومقاتل قد أجمعوا على تركه، وأما حديث سمرة فأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عنه، وعباد ضعيف، وأما حديث سلمان فأخرجه معمر في الجامع عن قتادة، عن الحسن، عنه، وقتادة والحسن قد عنعنا في الإسناد وهما مدلسان، ولو صح فهو موقوف على سلمان، وأما حديث طاؤوس فأخرجه معمر في الجامع عن ابن طاؤوس عن أبيه، وهو مرسل، قال بن القيم:" روي فيه حديث لا يثبت".

والحاصل: أن القول الثاني أظهر القولين، وهو أنهم ناجون، وأنه لا يصح الجزم بأنهم يمتحنون يوم القيامة، بل التحقيق نفي وقوعه، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

حكم من مات قبل البعثة · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم من مات قبل البعثةص ٦