نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء 214] ورَهْطَكَ منهم المخلَصين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: مَن هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سَفْح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو لهب: تباً لك ما جمعتنا إلاّ لهذا، ثم قام، فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ [المسد1]. فبما أن جيشاً كاملاً يمكن أن يأتي من أعلى جبل الصفا فلا بد أن يكون هذا الجبل كبيراً وواسعاً وعريضاً جداً ليتسع لهذا الجيش، فإذاً جبل الصفا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عريضاً ومرتفعاً أي كان جبلاً كبيراً، وكذلك الحديث في صحيح مسلم برقم (1780) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار قبيل فتح مكة: " احصدوهم حصداً حتى توافوني بالصفا "، فبما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - واعد الأنصار عند الصفا فإذاً جبل الصفا كبير جداً حتى اتسع لكل الأنصار).
الجواب: سأجيب عن كلِّ حديث على حِدَة، أمّا الحديث الأول: فإنّ الذين أوردوا هذا الدليل ظنوا كما يظن عوام الناس أنّ سفح الجبل هو أعلاه، وشرحوا الحديث بناء على جهلهم باللغة العربية (1)، والحقيقة أنّ سَفْح الجبل هو أسفله، قال في الصَّحاح مادة (سفح): (سَفْحُ الجبل: أسفلُه حيثُ يَسْفَح فيه الماءُ، وهو مُضْطَجَعُهُ)، وهذا المعنى موجود في جميع المعاجم، وقال ابن حجر في مقدمة الفتح 1/ 129: (سفح الجبل: أي: عرضه من أسفله)، وهذا المعنى مذكور في جميع شروح الحديث، ولذلك وردت لفظة (الوادي) بدل لفظة (سفح الجبل) في صحيح البخاري برقم (4492) بلفظ: "لو أخبرتكم أنّ خيلاً بالوادي تريد .... "، ومعروف أنّ مكة كلها جبال وأودية بين هذه الجبال، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل أهل مكة: هل تصدقوني لو أخبرتكم أنّ جيشاً سيأتي من أسفل هذا الجبل؟، فهل في هذا الكلام أيُّ دليل على أنّ الجبل الذي وقف عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو جبل كبير؟! ثم مَن قال لكم أيها المبيحون بأنّ مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "هذا الجبل" هو الصفا؟ فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يسمي الصفا (جبل الصفا) كما هو مشهور في زماننا، ولو بحثت في جميع الأحاديث النبوية فلن تجد لفظة (جبل الصفا) أبداً، وعموماً فإني قرأت جميع شروح الحديث فلم أجد مَن نصّ على اسم الجبل المراد مِن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سفح هذا الجبل"، وإذا درسنا تضاريس مكة ثم قرأنا جميع روايات الحديث فسنعلم أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على الصفا وخلفَه
(1) لذلك فالفرق شاسع بين فقهاء زماننا والفقهاء، فهذا الإمام الشافعي بقي عشرين سنة مقيماً على تعلم العربية وأيام الناس عند قبيلة هُذَيل في بادية مكة، ثم قال: (ما أردت منه إلا الاستعانة على الفقه) موسوعة الإمام الشافعي 1/ 46