كثير: قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام وهم ينظرون، قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر، ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق أنه خبر عن المؤمنين، وهذا الذي نصره ابن جرير، وهو الحق الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم (1).اهـ
إجماع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على ملاقاة العدو:
لا شك أن ما قرره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بعد المشاورة وإقناع المجادلين بضرورة اللقاء هو الرأي الصائب الذي لا يسع القائد المحنك أن يتخذ سواه، وذلك لأمور:
1 - أن الله - عز وجل- وعدهم إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، فلما فاتت العير لم يبق إلا النفير.
2 - أن رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - والحالة هذه يعتبر في الأعراف العربية، والخطط العسكرية انهزاماً، وبالتالي سيعد وصول الجيش المكي إلى بدر، وعودته سالماً نصراً كبيراً للمشركين.
3 - أن رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - لو عاد إلى المدينة سيتخذ منه فيما بعد قاعدة للانهزام في مثل هذه الظروف، مع أن الذي تشير إليه الآيات ووقائع الغزوة جميعاً أن الله تعالى أراد بهذه الغزوة أن تكون عبرة للمعتبرين، فلا يعتمدون على كثرة عددهم وعتادهم، وأن القاعدة التي يجب اتخاذها والعمل بها هي معرفة أن النصر من عند الله، وإنما يجب من الأسباب ما أمكن.
4 - أن عودة النبي - صلى الله عليه وسلم - والحال هذه سيفرح المتربصين من اليهود والمنافقين في المدينة، وربما كان ذلك سبباً لاجترائهم عليهم بالقول أو الفعل، وقد يتخذ اليهود من هذا وسيلة لتشكيك بعض المسلمين فيما يعتقدون.
قال الشيخ محمد الغزالي: "والذين كرهوا لقاء قريش ماكانوا ليهابوا الموت، ولكنهم لم يعرفوا الحكمة في خوض معركة مباغتة دون إتقان ما ينبغي لها من عدة وعدد، بيد أن
(1) () ... انظر: تفسر ابن جرير (6/ 181 - 183)، وتفسير ابن كثير (2/ 287 - 288).