ويوماً فيوماً والنبي - صلى الله عليه وسلم - يثقل به المرض ويزداد، وهو يخرج ويصلّ بالناس، حريصاً على دعوتهم وتوجيههم، يدور على نسائه، وكان يسأل كل يوم أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ أي عند من نسائه، يريد يوم عائشة، فلما كان يوماً في بيت ميمونة رضي الله عنها أم المؤمنين اشتد عليه البأس، وشدة وطأة المرض، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذنّ له، فانتقل إلى عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، عاصباً رأسه، تخط قدماه في الأرض حتى دخل بيتها، فقضى عندها آخر أسبوعٍ في حياته، فسكنت نفسه في بيت عائشة وارتاح للتمريض عندها.
وفي يوم الأربعاء السابع من ربيع الأول قبل وفاه - صلى الله عليه وسلم - بخمسة أيام، وعند قرب صلاة الظهر تتقد حرارة بدنه، وشتد به الوجع، فقال: "أهريقوا عليّ سبع قرب من الماء، حتى أخرج إلى الناس، فأعهد إليهم"، فأقعدوه في مخضب، وصبوا عليه من الماء، حتى طفق يقول: "حسبكم، حسبكم" بعدها دخل المسجد وهو معصوب بعصابة سوداء، وهو بين علي والعباس يتكئ عليهم ورجلاه تخط في الأرض من شدة المرض، فأجلساه على المنبر والناس مجتمعون حوله، والعيون ترتقب حبيبها وإمامها، فلما رأى - صلى الله عليه وسلم - الناس خطب بهم: "يا أيها الناس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، يا أيها الناس إني لاقٍ ربي وسوف أخبره بما أجبتموني به، يا أيها الناس، من سببته أو شتمته أو أخذت من ماله فليقتص مني الآن قبل ألا يكون درهم ولا دينار، أيها الناس من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه" يقول أنس: فنظرت إلى الناس كلٌّ واضعٌ رأسه بين رجليه من البكاء، وهم يقولون: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله.