غير أن بشريته صلى الله عليه وسلم آمنت حق الإيمان بما هداها الله إليه، وأنعم عليها به، فأدت حق الله كاملاً من الحق والشكر، وحلقت فوق قمة السمو الإنساني الأعظم، فكانت وحدها هي النجم الأرفع الأسمى، وتألقت بعبوديتها الخالصة فوق أعلى أفق للتوحيد الخاص، فما زلت بها عاطفة لإثم، ولا هفت بها غريزة إلى ذنب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اتخذ الله وحده رباً له، وجعل رضاه غايته والدعوة إليه هدف كفاحه وجهاده. والغاية العظمى لدنياه، والفلك الأعظم الذي تدور فيه حياته.
ثم تدبر ما حكم الله به على المشركين الذين قالوا : (25 : 7 ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) إن جل شأنه حكم عليهم بأنه ضلوا فلا يستطيعون سبيلاً! لتعلم أن هذا الذي استنكره المشركون ليس إلا قدر الله العدل الحكيم الذي قضاه على البشرية، وقسطاً من أقساطها في الوجود. وأنه لا يمس مقام النبوة بأثارة من ضعة، إذ النبي - قبل كل شئ - بشر، والبشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق!.
وتدبر ما وصف الله به رسله جميعاً (21 : 9 وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) (25 : :20 وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق) تدبر هذه الآيات؛ لترد بها فرية الوثنية التي تزعم أن محمد صلى الله عليه وسلم نجم الحياة الأبدية الخالدة في الدنيا، وأن فضلاته كانت مقدسة طاهرة وإشعاعاً من أضواء الربانية!.
لماذا - إذن - كان يتوضأ صلى الله عليه وسلم، ويتيمم، ويغتسل؟.
وتدبر خطاب الله لنبيه ( 39 : 30 : 31 إنك ميت، وإنهم ميتون) ذكر موتنا عقب ذكر موته؛ لنهتدي إلى أن الموت الذي قضي علينا هو عين الموت الذي قضي على نبيه صلى الله عليه وسلم! ورغم هذا - على ما فيه من وضح وجلاء - وجد من يزعم أن موت محمد معناه الحياة السرمدية،وجد من يضع للفظ نقيض معناه، أو يضع للفظ إسفاف الشهوة من هواه!.